الأربعاء، 29 أبريل 2015

بين الحلم والطموح


في وقت ما في تسعينات القرن الماضي وفي مكان ما في كلية تجارة جامعة عين شمس، حيث كنت أدرس، طرح أحد أستاذتي سؤالًا، سيصبح لاحقًا من كلاسيكيات أسئلة المواقف الدقيقة. سألنا الأستاذ، أين ترى نفسك بعد عشرة سنوات؟

يتكرر هذا السؤال في مقابلات العمل، وفي أحاديث المصير مع الأصدقاء وفي وقفات تقييم الأداء الشخصي الدورية. تظن حين تجيب هذا السؤال المرة تلو المرة أن الإجابة تحدد شكل طموحك. في حين أن السؤال صُمم ليحد الحد بين الطموح وأحلام اليقظة.

يتميز الطموح عن أحلام اليقظة بالتخطيط. فالحلم لا يتحول من حلم إلى هدف إلا إذا كان مصحوبًا بخطة واقعية وقابلة للتفيذ ومحددة الوقت. دون هذا التخطيط لا يمكننا إعتبار الأحلام أهدافًا أو طموحًا.
يأتي الطموح على قمة صفات الأشخاص "الناجحين". ففلان ناجح لإنه "طموح" وفلانة ناجحة لإنها تنتقل من تحقيق هدف للهدف الذي يليه. وحتى تصبح "ناجحًا" مثل هؤلاء يجب أن تكون "طموحًا" مثلهم. يجب أن تعرف جيدًا ماذا تريد وتذهب إلى "تحقيقه" دون هوادة!

لكن! إن تبعت فقط ما تريد قد تنتهي حيث لا تريد. لإن طريق "ما تريد" مفروش "بالضرورات التي تبيح المحظورات". والمحظورات تعيش حيث لا تسكن الأحلام والطموح.
فمثلًا، حلم الثراء السريع قد يؤدي بك للحياة ثريًا خلف قضبان السجن. كما أن حلم "الحب والزواج" قد يؤدي بك إلى حياة من الوحدة.

يقع الأشخاص في الحب تحت تأثير سؤال "ماذا أريد". تتغير إجابة ماذا أريد حسب المرحلة العمرية وبإختلاف الخبرة. تريد الطفلة تحقيق حلم "أميرة القصص". تريده أميرًا كما تريده أن يختارها مثلما إختار الأمير سندريلا. وتريد فستان كفساتين الحكايات. تكبر الطفلة ويتغير حلم "أميرة القصص" ليصبح أكثر واقعية. تبحث الفتاة عن قصة حب تشبه قصة حب طالما تخيلتها. وتبحث عن شاب يحمل أكبر عدد من الصفات التي طالما تمنتها في زوج. يبحث الرجل عن "المرأة الحلم" ويعد هذه المرأة "الحلم" بالعلاقة "الحلم". تجمعهم إرادة "حلم" مشترك. لكن الإشتراك في "الحلم" لا يضمن أبدًا ألا يتحول إلى كابوس.

يعلم كلٌ منهما جيدًا ماذا يريد من العلاقة ومن الشريك. يتنازل كلٌ منهما طوعًا عن أجزاء من "حلمه" من أجل الحلم المشترك. وفيما يدور "فصال" الموائمة يقع أحدهما أو كلاهما في "المحظور".  والمحظورات تسكن حيث لا تريد أن تكون.


ستنتهي العلاقة بأن تتحول من العلاقة الحلم إلى العلاقة الكابوس. ويتحول الشخص من الشخص الحلم إلى شخص لم تعرفه أبدًا. لإنك أهملت السؤال الأهم في التخطيط لتحويل الأحلام لطموح، ماذا "لا" أريد أن أكون!

الأحد، 19 أبريل 2015

عبء الجنس!






هل تريد/ تريدين ممارسة الجنس؟!

في عالم بلا "كلاكيع" لن يتردد الأشخاص في طرح هذا السؤال بهذه المباشرة في بداية العلاقة. ولكن لإن العالم ملئ "بالكلاكيع" يؤجل السؤال ويُلتف حوله مرارًا. على الرغم من إنه السؤال الحاكم في تعريف شكل ومسار العلاقات.

فالحب ما هو إلا جنس وإعجاب. أما الصداقة فهي إعجاب بلا جنس. والزمالة لا جنس ولا إعجاب. أما تعريف "المصلحة" فهي الجنس للجنس منزهًا عن الإعجاب أو أي مشاعر أخرى.
بعد التحديد الأولي لمسار العلاقة يعود سؤال الجنس لطرح نفسه من جديد. يُعيد السؤال صياغة نفسه بعدما تأكد من "الرغبة" ليحدد "القدرة".

في الجنس وغير الجنس يعتمد إتخاذ القرار على المسافة بين الرغبة والقدرة. أن تكون راغبًا في شئ لا يعني بالضرورة قدرتك على القيام به. المسافة بين الرغبة في ممارسة الجنس والقدرة على ممارسته يحدها ثلاث حدود أساسية.

أولها الحد الديني، لا جنس بدون زواج! مما  يحول سؤال الجنس تلقائيًا من سؤال رغبة وقدرة على الفعل إلى سؤال قدرة ورغبة في الزواج.

ثانيها حد القيد المجتمعي، فعلى الرغم من إن الجنس خارج إطار الزواج يظل محظورًا إجتماعيًا، إلا أن قواعد المجتمع قد تتسامح مع "هفوات" داخل "حدود" معينة.

وفي الأخير تأتي النظرة الشخصية للعلاقة الجنسية كالحد الأهم لإجابة سؤال القدرة. يُفترض في الجنس أنه علاقة تبادلية بين طرفين راغبين إلا إنه لسبب ما تنتشر قناعة أن الجنس "طُعم" أو "مكافأة" يستخدمها طرف لإغواء ومن ثم الإيقاع والتحكم في طرف أخر. إيمان أحد الطرفين أو كلاهما بهذه الفكرة هو العامل الأهم في إتخاذ القرار.

في إطار تفاعلات المحددات الثلاث تأتي إجابة سؤال القدرة تارة بنعم وتارة بلا. وفي الكثير من الأحيان تكون الإجابة "نص نص".

تمثل الرغبة عبء. التعايش مع الرغبة الغير مشبعة، أي رغبة، يأتي كواحد من أهم تحديات الإنسانية. كيف تشبع رغبتك بلا إيذاء للغير والأهم بلا إيذاء لنفسك. تنطبق هذه القاعدة على كل الرغبات. فشعورك بالجوع لا يبرر إنك تشبع جوعك بالسرقة. شعورك بالخوف لا يبرر أن تقتل كل من يُخيل لك أنه مصدر تهديد. كما أن رغبتك الجنسية لا تبرر الإغتصاب!

ومن أعباء الرغبة أيضًا عبء أن ترغب فيمن لا يغرب فيك وما يستتبعها من نوبات إحباط ويأس.
أما عبء القدرة فهو العبء "الأسخف". إغضاب الرب بعلاقة جنسية خارج إطار الزواج قرار يثقل على الكثيرين. والزواج قرار يصعب على الكثيرين أيضًا. لإنه ليس من الحكمة أن تكون الرغبة هي السبب الرئيسي للزواج!

قبول المجتمع بحل "النص نص" قد يكون مخرجًا ملائمًا للبعض. لكنه للأسف حل مؤقت أو علاقة مؤقتة لإن الرمادي لون لا يستطيع الصمود طويلًا للزمن.

بتوافر الرغبة والقدرة يصبح سؤال الإستمرار هو سؤال الجنس الأخير والأهم والعبء الأثقل الذي على أطراف العلاقة التعامل معه.

فالجنس يجب ما قبله! ليس لإن الجنس يعقد العلاقات، لإن ما يعقد العلاقات حقًا هو عدم معرفة أهدافك من العلاقة، لكن لإن إستمرار الجنس تحدي حقيقي مع تطور العلاقة.

يظهر مصطلح "الواجبات الزوجية" ليعبر بذكاء عن عبء الإستمرار (ينطبق المصطلح على العلاقات الطويلة المستقرة غير الزواج أيضًا). يتحول الجنس بعد فترة إلى "واجب" يستدعي لذهن أحد الطرفين أو كلاهما صورة كراسة مربعات وجدول الضرب ومدرس متلهف "لعقاب" من يفشل في "إجابة السؤال".

قد يكون السبب في تحوله إلى واجب هو صعوبة أو إحباط البدايات (وخاصة للنساء). يتحول الجنس لشر لابد منه. لا يتجاوز البعض إحباط البداية أبدًا ولا يسعوا للتعامل مع مسبباته.

وقد يتحول الجنس إلى واجب بسبب الملل. ضغوط الحياة والتكرار والتعود تقتل الحياة في أي شئ جميل وليس فقط الجنس.

يأتي الهروب من الواجب (الجنس) كالحل السهل للتخلص من عبء الإستمرار ..


لكن لإنه عالم ملئ "بالكلاكيع" ستعود الرغبة لتصبح عبئًا! وربما هذه المرة سيتضاعف العبء لإنها ستكون في شخص "جديد"!


النصف الحلو


يعدك الكتاب من غلافه بقراءة خفيفة. فهو صغير نسبيًا، فقط مئتان وثلاثة عشر صفحة تحوي إثنتا عشر قصة قصيرة. لكن ما ستكتشفه من قراءة "خيط العنكبوت وقصص أخرى" أن الإثنتي عشر قصة قصيرة هم إثنتا عشر  نافذة صغيرة على اليابان. 

تتناول القصص أفكار تهم المجتمع الياباني ولكنها في جوهرها أفكار عالمية مقدمة في إطار ياباني.
في المقدمة حرص المترجمان على توضيح أن المجموعة أختيرت لتلائم الذوق العربي و"لتقدم نموذجًا واضحًا لإتجاهات بعض كتاب القصة القصيرة اليابانية".
المجموعة مترجمة مباشرةً عن اليابانية. والقصص المختارة لأربعة كتاب: "أكوتاجاوا ريونوسكيه"، و"موكودا كونيكو"، و"موري يوكو"، و"أتودا تاكاشي".

إذا كنت عزيزي القارئ تواجه صعوبة في قراءة والتفرقة بين أسماء الأدباء السابقين، فأنت لست وحدك، فأنا تجاوزت أثناء قراءة المقدمة التدقيق في قراءة أسماء الكتاب وتاريخهم. ولكن بعد الإنتهاء من قراءة المجموعة القصصية كان علي إعادة قراءة المقدمة للتعرف على الكاتب الذي جذبتني أفكاره في سبع قصص، "أتودا تاكاشي".

وأتودا تاكاشي أديب ياباني معاصر، من مواليد 1935. نشرت له أكثر من إثنتي عشر مجموعة قصصية. ولأعماله شهرة واسعة نظرًا لإسلوبه الجذاب وتناوله لقضايا المجتمع الياباني المعاصر.
تثير قصته "النصف الحلو" مجموعة من الأفكار. تدور القصة حول صديقتين. "هاروئيه" و"موموكو". تقابلت الصديقتان في أحد الجامعات المرموقة التي يرتادها الأثرياء. كانت زميلاتهن لا تهتمن إلا بالموضة. نفهم من سياق القصة أن "موموكو" لم تنتمي لطبقة الأثرياء. ولكن ما جمعها في صداقة مع "هاروئيه" هو تشاركهن الأفكار "التقديمة". كن ضد التقاليد اليابانية التي تعتبر الزوج "سيد". ويتم فيها الزواج عن طريق الترتيب العائلي. كن يردن رحلة ثرية في الحياة، تقوم على المساواة بين الزوج والزوجة.  فلا سيد في العلاقة بل نصفين، كلٌ منهما يمثل "النصف الحلو" للأخر.

وفي أحد الأيام تٌقنع "هاروئيه" صديقتها بالذهاب إلى إستديو شهير لإلتقاط صورة. كانت هذه الصور "موضة". وكن الزميلات يحرصن على إلتقاطها وطبعها بأعداد كبيرة لإرسالها للراغبين في الزواج. قالت "هاروئيه" إن تلك الصور جميلة، وأن الصورة الجميلة ستكون مصدر جيد للثقة بالنفس الضرورية جدًا للفتاة في رحلة الحياة "المستقلة".

تنتهي المرحلة الجامعية وتنقطع أخبار "هاروئيه" بعد سفرها مع أسرتها، لتعود لتطل مع دعوة من دعوات الجامعة للقاء سنوي. تكتشف "موموكو" أن صديقتها قد تزوجت. وللمفاجأة لم تتزوج صديقتها عن حب. تكتشف "موموكو" أن صديقتها تزوجت "سيدها" عن طريق الصورة التي كان من المفترض أن تكون المعين على رحلة "الإستقلال".

تغضب "موموكو" من خيانة صديقتها، فتنهي المحادثة وتقرر الذهاب لشرب القهوة. إرتدت فستانًا جديدًا وجلست تشرب قهوتها وفي هذه الأثناء سمعت حوار بين شابين حول الزواج والعلاقة المثالية بين الرجل والمرأة.
لفت نظرها أن واحد من الشابين كان يشاركها أفكارها. بدا أنها تجلس على بعد خطوة واحدة من "نصفها الحلو". وبعد دقائق حدثت "معجزة صغيرة" وغادر صديقه. وأصبح "نصفها الحلو" وحيدًا مع قهوته.
إستجمعت "موموكو" شجاعتها. وذهبت لتطلب بخجل من الشاب أن تشاركه جلسته.
يتركنا أتودا تاكاشي معلقين مع حيرة الشاب في كيفية الرد على دعوة "عجوز ستينية" ترتدي أزياء يرتديها "الشباب" لتناول الشاي.

رغم أن القصة لأي متابع للمجتمع الياباني قصة تبعد كثيرًا عن "المعاصرة"، إلا أن مشكلة الإيمان بأفكار غير سائدة في مجتمعك مشكلة تتكرر في كل زمان ومكان. صدقت "موموكو" أفكار "هاروئيه" عن "النصف الحلو". تبعت الفكرة بلا تردد، وبلا إعادة تقييم أو تفكير.
عاشت سجينة لفكرة، ولم تعي أن إدراكها لتحول الفكرة من فكرة "منبوذة" في المجتمع، إلى فكرة مقبولة يجاهر بها "الشباب" في المقاهي سيأخذ عمرًا.
أخذت "الفكرة" عمر "موموكو" ولم تعطيها "النصف الحلو".

===
إسم الكتاب: خيط العنكبوت وقصص أخرى
الناشر: المركز القومي للترجمة
تأليف: نخبة من الأدباء اليابانيين

ترجمة ودراسة: سمير عبدالحميد إبراهيم – سارة تاكاهاشي

الأحد، 29 مارس 2015

الصراحة راحة!


في مشهد كلاسيكي يجلس شاب وفتاة في منتصف العمر ليتجاذبا أطراف الحديث و"رشفات العصير". لقاء تعارف كلاسيكي يحتوي على الكثير من الأسئلة الكلاسيكية عن العمل والدراسة والأسرة والتوجهات السياسية أحيانًا. ومن ضمن تلك الأسئلة الكلاسيكية سؤال يوجهه الشاب للفتاة عن "تاريخها" العاطفي وسؤال أكثر مباشرة عن "عدم زواجها حتى تلك اللحظة".

مشكلة بعض الأسئلة المباشرة، أن مباشرتها تستعدي الإجابات المنقوصة. فالفتاة في هذه الجلسة أمامها خيران لإجابة سؤال هذا "الغريب". إما أن "تحكي" له تاريخها مع العلاقات والعواطف حتى وصلت إلى لقائهما بلا زواج أو أن تجيبه بالإجابة النموذجية التي أوصاها بها كل من يعرفها من أهل وأصدقاء أو حتى مواقع على شكبة الإنترنت. الإجابة النموذجية لأسئلة الشاب الكلاسيكية "الذكية" هي إنكار التاريخ العاطفي ما لم يكن موثقًا بإرتباط رسمي و"ما حصلش نصيب" تكفي كإجابة منطقية لعدم الزواج.

تضمن هذه الإجابة النموذجية فرصة لقاء أخر للفتاة مع الشاب صاحب السؤال. وفي أحيان كثيرة قد تضمن لها فستان أبيض وحفل زفاف وبيت وأسرة و"نهاية سعيدة".
فالرجال، سواء في هذا الجزء من العالم أو غيره، او على الأقل الكثير منهم يفضلون إمرأة بلا تاريخ واضح. فحتى وإن قبل الرجل ضمنًا أن يكون لإمرأته تاريخ فلن يتحمل معرفة تفاصيله. تصبح تفاصيل التاريخ لعنة تطارد العلاقة حتى تنتهي في الأغلب وتصبح جزء جديد من تاريخ المرأة الذي يجب أن يختفي وجزء من تاريخ الرجل الذي يمكنه التباهي به.

الفكرة في الإجابة النموذجية التي ستزيد من فرص الفتاة في "النهاية السعيدة" أنها إجابة كاذبة. فالكذب هو طمس الحقيقة، وفي حالتنا هذه تُطمس الحقيقة بالحذف. تحذف الفتاة التفاصيل التي قد تتسبب في المشكلات.
قد يرى البعض في نبل الغاية سببًا كافيًا لتبرير "الكذب". لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا هو، هل "النهاية السعيدة" هدف نبيل؟ والأهم، هل هذه النهاية ،"نهاية سعيدة" بالفعل؟ وهل علاقة قائمة على "الحذف" والطمس علاقة "ناجحة"؟

الأسئلة السابقة قد تبدو إستنكارية ولكنها في الحقيقة أسئلة تتغير إجابتها بتغير الموقف. فالنهاية السعيدة، أو الزواج، في نظر الكثيرين والكثيرات هدف نبيل. هم يريدون الزواج ولديهم أسبابهم المنطقية لوضع هدف الزواج على قائمة الأولويات. والغاية تبرر الوسيلة! في حالتهم الغاية هي الزواج والوسيلة هي إخفاء التفاصيل. وحجتهم أن التفاصيل ماضٍ، ولا نفع للماضي في الحاضر أو المستقبل.

إخفاء التفاصيل في هذه الحالة هو الحل الأمثل، لإنه في إخفائها تحرر من أسر الماضي بتجاربه السيئة. وبإخفائها تطوى صفحة وتبدأ صفحة جديدة للحياة الجديدة والفرصة الجديدة. وهذه نهاية سعيدة بالفعل! شاب وفتاة لا يهمهما من إلتقيا قبل أن يلتقيا، المهم أنهما إلتقيا وحياتهما تبدأ من هذه اللحظة وتستمر إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

لكن ماذا لو كانت "النهاية السعيدة" المتوقعة تحتوى سطرًا عن أمان المشاركة؟ ماذا لو كانت السعادة تكمن في التفاصيل؟ ماذا لو كان الماضي جزء من تكوين الشخصية؟ ماذا لو كانت الخبرات السابقة محددة لتصرفاتنا المستقبلية؟ ماذا لو تسبب الحذف والطمس في أن يغلب ظن عدم معرفتك بالشريك على ظن معرفتك به؟!

وهنا يأتي الخيار الثالث، والأكثر حكمة، لإجابة سؤال التاريخ العاطفي، وهو إتباع سياسة عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى. سيضمن لك هذا الخيار الحد الأدنى من أمان المشاركة تبعًا لشكل ومسار العلاقة. كما سيضمن لك عدم إثارة حفيظة الشريك بتفاصيل لا تهم في الحاضر أو المستقبل. سيوفر الحد الأدنى من الصدق كما سيوفر الحد الأدنى من الكذب. سيضمن الحد الأدنى من الثقة كما سيضمن الحد الأدنى من الشك.
سيضمن خيار عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى الحد الأدنى من العلاقة السعيدة الناجحة. في حين تضمن الصراحة الحد الأقصى من كل شئ كما أنها تخاطر بالحد الأقصى من كل شئ .. فليست كل الصراحة راحة!


الثلاثاء، 3 مارس 2015

التحليل الإستراتيجي


في مشهد مكرر نشاهد شخص، في الأغلب أنثى حائرة تجلس إلى صديق أو صديقة أو ربما مجموعة من الصديقات تطلب النصيحة في موضوعٍ هام لا يحتمل التأجيل. ربما يكون الموضوع رسالة غامضة من ذلك الزميل الذي بادلها الإبتسامات طويلًا وفسرت إحدى صديقاتها تلك الإبتسامات من قبل على إنها إعجاب. أو ربما يكون الموضوع "زن" الحبيب على "تطوير" العلاقة وهل الواجب إلتزام خطة "سيبيه يمسكها يا فوزية" أم أنه من الأحوط اللجوء للتكتيك الأصلي "لو راجل قرب منكم صوتوا ولموا عليه الدنيا يا بنات".

كثيرًا ما يبدأ الحب بالشك. ويأتي الشك بالأسئلة المتتابعة، فيتحول الطرفان لأجهزة مخابرات صغيرة تجمع المعلومات وتحلل الإشارات للإجابة عليها. فالإبتسامة ربما إعجاب، وربما تملق، وربما "جبر خواطر". في حين إن الإبتسامة ليست إلا إبتسامة! لكنها للطرف المهتم إشارة في سياق ومن الواجب تفسيرها. وكذلك الصد، وهو في الأغلب رفض واضح لكن يُفسره هوى البعض بتكتيك "الثقل صنعة" تارة و كروت الألعاب النفسية تارة.

وعلى قدر الإنجذاب زادت الحاجة للبحث في تفسير الهمسة ومعنى اللمسة ودلالة الإهتمام المتخفي في عدم الإهتمام. ولإن البشر لا يولدون بقارئ للأفكار ولم يُخترع، حتى اللحظة، كاشف للنوايا. ولإن العرافين كاذبين ولو صدفوا تبقى الخبرة المتراكمة هي الطريق الوحيد من الشك لليقين.
إلا أن للخبرة المتراكمة رسالة ثابتة تتكرر بتكرر مشهد الأنثى الحائرة، الشخص، الطالبة للنصيحة. الشك في الحب "يقين".

إن شككت في حب شخص فهو يقينًا* لا يحبك.

إن شككت في إهتمام شخص فهو يقينًا* لا يهتم.

إن شككت في سياق علاقة فهي يقينًا* ما تظنه عنها.

فكما يبدأ الحب بالشك ينتهي، يقينًا، بالشك!

===

* عدا السهو والخطأ 

البحث عن نقطة للبداية


لم يعد الناس يموتون في هذا الزمان! في زمان سابق، كنا ندفن موتانا وننعيهم ونحزن عليهم ثم تأخذنا دوامات الحياة. منا من ينسى ومنا من يبذل مجهودًا حتى لا تُمحى ذكرى فقيده من ذاكرته.
في زماننا هذا ندفن أمواتنا لتلاحقنا حساباتهم على شبكات التواصل الإجتماعي، وأرقام هواتفهم التي لن تُجيب مهما كررنا الإتصال. في هذا الزمان لا يتحول أمواتنا إلى ذكرى ويبقى علينا التعامل مع وجودهم "المجمد" بصفة يومية.

وكما لا يموت الموتى في هذا الزمان، لا تنتهي العلاقات في هذا الزمان (إلا نادرًا). ففي زمان يسهل "الوصال" ويجعله على بعد كبسة زر يصبح الفراق "شبه" مستحيل.
في زمان سابق، إحتاج الوصال مجهودًا. كأن تذهب للقاء حبيبك مهما طالت المسافة. أو كأن تكتب رسائل طويلة وترسلها بالبريد. أو أن تفكر في الحيلة بعد الحيلة حتى تسرق من الزمان "لحظة وصال".
في زماننا هذا يصبح وصال الحبيب متاحًا وقتما شئت وأينما كنت. لم يعد للمسافات معنى، ولم يعد لمجهود الوصال ضرورة. أصبح الحبيب متاحًا على مدار الساعة، وأصبح فراق الأحبة تحدي حقيقي لا يستطيع الجميع تخطيه.

فالتكنولوجيا التي وفرت سهولة التواصل، وفرت أيضًا سبل المراقبة على البعد. تُمكنك التكنولوجيا من متابعة "مزاج" الحبيب عبر متابعة حسابه على تويتر، والأماكن التي يذهب إليها عن طريق متابعة حسابه على إنستاجرام مثلًا، كما تمكنك التكنولوجيا من معرفة أصدقاء حبيبك الجدد والأشياء التي أثارت إعجابه بمتابعة حسابه على الفيسبوك. وهكذا مع كل نافذة تتيحها التكنولوجيا لتسهيل التواصل تسهل أيضًا المراقبة عن بعد. ورغم كل المحاولات للتأمين ضد إختراق الخصوصية لن يوجد أبدًا نظام تأمين كامل. فمادامت المعلومة قد تم مشاركتها على الإنترنت فيمكن لأي باحث مثابر العثور عليها في يوم ما.
ستمكنك التكنولوجيا من معرفة أخبار حبيبك السابق دون الحاجة لسؤاله، كما تتيح لك أن تتصفح أمال وألام أمواتك بعد موتهم. لكن في الحالتين ستعطلك التكنولوجيا عن التعافي من "فقدك".
فإتاحة الأحبة بعد الفراق يمنعك عن الإعتراف بأنه لا أمل في عودتهم. تظن إنك تدرك هذا، وقد تبرر مراقبتك عن بعد بأنها من باب الفضول. لكن الحقيقة الوحيدة هي أن مراقبتك دليل على إهتمامك، فحتى الفضول نوع من الإهتمام.

تستمر العلاقة في "الحياة" رغم موتها الظاهري. تكتب لحبيبك الرسائل ويقرئها، وتعلم بقرائته للرسائل رغم أنه لن يكلف نفسه عناء الرد فتعتبر في فعل "القراءة" فعل إهتمام.
تستمر في المراقبة .. والإنتظار!
تُحيل مراقبتك وإنتظارك بينك وبين بدايات جديدة. فلا بداية إلا بعد النهاية "الواضحة". ولا نهاية "واضحة" مع فضول مهتم ومراقبة وتوقع وإنتظار.


لا تنتظر أحدًا، فلا الموتى يعودون من الموت، ولا الأحبة يعودون من حيث ذهبوا.


الجمعة، 27 فبراير 2015

الحل السحري


هناك نوع من الأفلام الرومانسية بسيط الحبكة جدًا. يدور حول شخصين يقعا في الحب، ثم تفرقهم مصاعب الحياة وبعد كفاح بسيط يجمع الله الشتيتين بعدما يظنا كل الظن أن لا تلاقيا وتكون النهاية السعيدة بإنتصار الحب.

من ضمن الحبكة البسيطة مشهد "الخناقة". خلاف يتحول لعراك لكنه ينتهي بأن يجذب البطل البطلة ويقبلها بعنف. أو في مشهد كلاسيكي أخر يجلس البطل ليستمع بإهتمام لخطبة عصماء من البطلة. والتي يدور موضوعها غالبًا حول شكاوى من العالم ومن الحبيب. جرعات من المعروف إصطلاحا للعامة بالنكد. ينصت البطل بإهتمام للنكد وقد يقرر أن يحتويه ب"حضن". 

لكن الحقيقة حاجة تانية خالص!

يتميز الواقع عن الأفلام الرومانسية ذات الحبكة البسيطة بإنه أكثر عمقًا. 

ففي الواقع العراك لن يتنهي بجذب البطل للبطلة بعنف وتقبيلها. لإنه ببساطة هذا الفعل بغير رغبتها يعد نوع من الإغتصاب. في الواقع البطل لن يترك البطلة لتكمل خطبتها. بل سيقاطعها مفندًا الأسباب ومدافعًا عن مواقفه وطارحًا لحلول منطقية للمشكلات. ومع إنتهاء الخطبة التي تحولت لنقاش عنيف لن يصبح أيهما قادر على "الحضن". 

في الفيلم الرومانسي ذي الحبكة البسيطة، علاج الإختلاف بين الأحبة القرب. 

الحل سهل ورومانسي ومش غلط .. الحل سحري!

لكن، وللتذكرة، يتميز الواقع عن الأفلام ذات الحبكة البسيطة بالعمق. 

أول بعد من أبعاد عمق الواقع هو "اللانهائية ". الحياة خطوط و دوائر مستمرة. لا يوجد مشهد للنهاية السعيدة ولا لقطة يبتسم فيها الحبيبين للأبد. كل لحظة في الحياة هي نهاية لما سبقها وبداية لما يليها. 

ثاني أبعاد عمق الواقع هو "المعرفة والجهل " .

في الفيلم يعلم البطل والبطلة السبب "الحقيقي" للخلاف. سبب "الخناقة" ليس لإنه يلقي بملابسه في الصالون ولا لإنها حرقت بصل الكشري. الخناقة في الفيلم ذو الحبكة البسيطة دائما بتكون حول خلل في "العلاقة".
وهي "خناقة" بسيطة كحبكة الفيلم على الرغم من إنها تبدو عميقة.

في الواقع لا يبحث الكثيرون عن الأسباب الحقيقية للخلاف. الناس بتتخانق على هيافات. الإهمال والطعام المحروق نوع من الخناقت الهايفة ولكن أحيانًا بتكون الخناقات أكبر. مثلا عن مصروف البيت، وتربية الأولاد، والغيرة . لكن حتى هذا النوع من الخلافات سببه في الأساس "خلل" في العلاقة. أساس أي خلاف هو التهديد المباشر للمصالح التي قامت من أجلها العلاقة. 

أسباب مثل إنعدام الأمان، أو الإحساس بعدم إهتمام الشريك، أو إنك "مضمون" و"مركون على الرف". ولإن الواقع أعمق يتم إخفاء هذه الأسباب تحت أطنان من الإفتعال. 

أما البعد الثالث لعمق الواقع هو بعد التاريخ. في الفيلم لا يوجد بين الحبيبين تاريخ من العراك. ولا رصيد من اللوم. ولا تجربة تجاوزعن إهانة متعمدة. ولا رحلات مكررة بين الشك واليقين. في الفيلم سؤال "إننا بنحب بعض وهنسامح بعض مهما حصل" مجاب عليه سلفا. 

لكن مع بُعد التاريخ في الواقع يصعب الغفران ويكثر الشك و يتردد الحب.

فالعلاقة أشبه بمركب صغير في عاصفة. ولإعتبارات الأمان والفاعلية في مواجهة العالم يسند كل شريك ظهره بظهر شريكه. لكن مع الوقت تُنسى الأسباب التي أتت بالشريكين إلى المركب في قلب العاصفة. يَنسى كلاهما سبب قرار مواجهة العالم مستندين أحدهم إلى ظهر الأخر. و تبقى حقيقة واحدة. إنهم يروا حقائق مختلفة.

في الفيلم بسيط الحبكة، ولإنه يفتقد عمق الواقع، يواجه الأبطال العاصفة جنبًا إلى جنب وليس ظهرًا إلى ظهر. يحافظا على تشارك المنظور فيصبح المزيد من القرب الحل المنطقي للخلاف. 

لكن مع عمق الواقع يتحول "الخناق" من أرضية للتواصل إلي أداة للتمزيق. 

فالعراك ليس دائمًا سلبيًا. فهو في الكثير من الأحيان طريقة لبناء تفاهمات حول نقاط الخلاف. ما يجعله سلبيًا أو إيجابيًا هو كيف نتعارك. 

هل نتعارك من أجل تحقيق الإنتصار وفرض الإرادة أم أننا نسعى للوصول لصيغة تعايش "سلمي"؟

هل نتعارك كوسيلة للتواصل“communication”  أم أن العراك عَرَض لإنعدام التواصل “miscommunication” ؟

الفيلم الرومانسي البسيط الحبكة ربما لا يكون واقعيًا، لكنه في الأغلب فيه الرسالة الأهم. الحل السحري الوحيد "للخناقة" هو توحيد المنظور. أن نترك بين الحين والأخر إستراتيجية الظهر للظهر لنرى ما يراه شريكنا.

الحل بسيط ورومانسي ومش غلط .. وسحري!

ت. و. ا. ص. ل