الأحد، 6 سبتمبر 2026

الضباب

 "لو بتحبني لازم تعمل كذا وكذا".

"لو عملت كذا أنا هخاصمك".
"إنت هتروح النار علشان ما خلصتش أكلك".


تبدو الثلاث جمل السابقة بريئة، فمعظمنا يستخدمها، أو يستخدم صيغًا مشابهة في التعامل اليومي مع من يحب (سواء زوج/ زوجة/ حبيب/ حبيبة/ أب/ ابن/ أم/ بنت/ أخ/ أخت، صديق/ صديقة.. إلخ).


لكن الثلاث جمل البريئة هي في الحقيقة نموذج للابتزاز أو الاستغلال أو الإيذاء العاطفي Emotional Abuse. في الثلاثة مواقف قرر مستخدم الجملة أن يدفع الطرف الآخر لفعل شيء لا يرغب في فعله عن طريق إساءة استخدام العلاقة الحميمة القائمة بينهما. في الثلاثة مواقف كان التلاعب النفسي عن طريق استخدام منظومة من التهديدات وأنواع مختلفة من العقاب بغرض أن يسيطر شخص على سلوك شخص آخر.


الثلاث جمل تحمل طلبًا ما لا يريد المطلوب منه القيام به. فيقوم الطالب بالتهديد (سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة) أن عدم الانصياع للتهديد له تبعات (سواء مُعلنة صراحة أو مفهومة من سياق التهديد). فيقوم المطلوب منه بالقيام بالطلب. يأخذ الابتزاز (الإيذاء) العاطفي أشكالا كثيرة، مثال على ذلك محاولات السيطرة (الغيرة، المراقبة المالية .. إلخ) والتقليل من الشأن (المعاملة كطفل غير واع)، والنقد والسخرية (محاولات تصحيح السلوك  خاصة أمام الغير)، اللوم وعدم تحمل المسؤولية (أنت أو أي شخص آخر هو السبب في أي مشكلة وليس الشخص المستغِل).


يشعر ضحايا الابتزاز العاطفي بصورة مستمرة أنهم أشخاص غير كاملين (أنا غير كاف لاستحقاق الحب). كما يشعرون بالتهديد المستمر بأن العلاقة قد تنتهي . ولا يستطيعون الجزم ما إذا كانت مثل تلك التصرفات (النقد والسخرية والغيرة.. إلخ) نوعًا من الحب. فعلى عكس الإيذاء الجسدي، الابتزاز (الإيذاء) العاطفي غير سهل التعريف وقد يتعرض له البعض دون أن يعرفوا أنهم ضحية للابتزاز. لأن العلاقات من هذا النوع يغيم عليها ضباب الخوف والالتزام والشعور بالذنب (Fear, Obligation, Guilt F.O.G).


الخوف سواء من العقاب الصريح (هتروح النار / هخاصمك) أو غير الصريح (الامتناع عن الفعل يعني عدم الحب). والالتزام تجاه العلاقة (سواء علاقة حب أو علاقة أمومة .. إلخ). والشعور بالذنب نتيجة عدم إرضاء الطرف الآخر (الحبيب/ الأم / الرب).


وكما يؤدي الضباب للحوادث على الطرق يؤدي ضباب الابتزاز العاطفي للحوادث في العلاقات. فالكثيرون قد يقللون من شأن تلك التصرفات ويعتبرونها جزءًا من التعبير الطبيعي عن الحب. كما قد يذهب البعض لإنكار أهمية الإيذاء النفسي. فالكل يضع الكثير من الأهمية على الإيذاء الجسدي في حين أن الإيذاء النفسي أعمق تأثيرًا ولا يترك علامات ظاهرة تدل عليه.


فالإيذاء النفسي يؤدي لإصابات نفسية Psychological Traumas  مثل الاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب اكتئاب ما بعد الصدمات PTSD. لا يتوقف الأثر السلبي لهذه الإصابات النفسية على جودة معيشة الفرد وحسب، ولكن يمتد لتهديد هذه المعيشة سواء إذا تطورت الأعراض النفسية لتؤثر على الجسد أن الوصول بالشخص للانتحار.


لكن الخروج من الضباب ليس سهلًا! الضباب دائرة مفرغة وأول خطوات كسرها هو الاستعداد للتضحية بالعلاقة. فالشخص الساعي للسيطرة على مشاعر شخص آخر يعلم جيدًا أن هذا الشخص يحتاج لهذه العلاقة ولا يستطيع أن يرفض أي طلب خوفًا من أن يهدد رفضه العلاقة. فإذا قرر الشخص أن يكسر حلقة الابتزاز المفرغة عليه أولًا ألا يرضخ للتهديد والاستعداد لأن يخسر العلاقة نتيجة لذلك.


التحرر من الحاجة للعلاقة سيمكن الشخص من رسم حدود واضحة للتعامل ومن ثم يستطيع بوعي التفرقة ما بين التعاملات "الطبيعية" ومحاولات التلاعب النفسي من أجل السيطرة على تصرفاته (الابتزاز العاطفي).


هذه الحدود ستذكر الشخص (ضحية الابتزاز العاطفي) بحقيقة يخفيها الضباب، من يحبك لن يؤذيك أبدًا ومن يؤذيك لا يعرف من الحب إلا حب الذات.. وذاتك بالحب أولى!


===

نشرت بدوت مصر بتاريخ: 1 يونيو 2015

يوم الطين

 يُحكى أن ملكًا أحب جارية وتزوجها. الملك هو "المعتمد" حاكم أشبيلية والجارية هي "إعتماد الرميكية". كان المعتمد يهيم حبًا بإعتماد وكان أن اشتهت يومًا أن تسير على الطين. فأمر بأن يؤتى بالمسك والعنبر وغيره من الطيب وأن يُعجن في فناء القصر حتى يصبح ما يشبه الطين لتخوض فيه حبيبته إعتماد.


ويُحكى أنها غاضبته يومًا فقالت: "لم أر منك الخير قط". فكان رده "ولا يوم الطين؟!" فصارت مثلًا.


في هذا الجزء من العالم هناك قناعة عامة بين الرجال أن النساء كلهن اعتماد الرميكية. مهما قدمت لها من خير سيأتي عليها يومًا لتجحده. حتى أن الحديث الشريف يحذر النساء من هذا الجحود لأنه السبب في إنهن أكثر أهل النار: " وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".


وبناء على هذه القناعة يعامل الكثير من الرجال نساءهن، ويتفرغ الكثير من "الحكماء" لتذكير النساء بالنار التي تنتظرهن جزاء هذا الجحود. القليل جدًا من سكان هذا  الجزء من العالم حاول البحث عن الأسباب التي تدفع النساء لنسيان "الإحسان" وتذكر السلبيات فقط.
وجدت باربرا فردريكسون Barbara Fredrickson عالمة النفس الأمريكية  المتخصصة في علم النفس الإيجابي. أن الشخص يحتاج ثلاث تجارب إيجابية مقابل كل تجربة سلبية للنمو. فرقت فردريكسون بين الأشخاص "النامين" Flourishing والأشخاص "الذابلين" Languishing . الأشخاص النامين هم الأكثر قدرة على التصرفات المرنة والوصول لأهدافهم. نسبة ال 3:1 معروفة بالنسبة الإيجابية الحرجة Critical Positivity Ratio.


أما جون جوتمان John Gottman، وهو عالم نفس أمريكي آخر معروف بأعماله في مجال الاستقرار الزوجي وتحليل العلاقات، وجد أن الزواج الناجح يحتاج إلى خمسة تفاعلات إيجابية بين الشريكين في مقابل كل تفاعل سلبي. واُشتهر عنه أنه يستطيع توقع ما إذا كان أي زوجين سيواجهان خطر الطلاق في خلال عشر سنوات من تحليل تفاعلاتهم السلبية والإيجابية في محادثة مدتها 15 دقيقة.


وفي تجربة منشورة عام 2001 بعنوان السيئ أقوى من الجيد Bad is stronger than good، وجد الباحثون أن خسارتك لمبلغ 50$ أقوى تأثيرًا عليك من كسبك لنفس المبلغ. الإنسان إذن بغض النظر عن نوعه يحتاج للكثير من التجارب الإيجابية لمعادلة تجربة سلبية واحدة. والسبب في ذلك هو المخ ذلك العضو المسؤول عن تسجيل ومعالجة الذكريات.


المخ يعامل التجارب السلبية بصورة أعمق من معاملة التجارب الإيجابية. يسجل المخ التجارب السلبية بتفصيل أكبر في حين لا يهتم بالإيجابيات. لأن الاهتمام بالسلبيات يعني سرعة معالجة الخطر قبل وقوعه مما يعني توفير فرص حياة أكبر للإنسان.


إعتماد – كل إعتماد – لم تجحد يوم الطين. هي فقط تتذكر السلبيات بصورة أوضح من تذكرها للإيجابيات. واللوم كل اللوم يقع على الطريقة التي يعمل بها مخ إعتماد. والحقيقة أن إعتماد ليست وحدها من تذكر السلبيات وتجحد الإيجابيات وتتوارث التحذير من صنف الرجال النمرود الذي لا يملأ عينيه سوى التراب.


فالرجل – كل رجل – لا يذكر أبدًا من قصة إعتماد الرميكية سوى لوم المعتمد. يتناسى اعتذار إعتماد للمعتمد بعد لومه. ويتغافل أن إعتماد لازمت المعتمد حتى بعد خلعه عن ملكه وظلت بجواره حتى وفاتها.


والجاني في هذه الحالة أيضًا هو مخ الرجل الذي  لا يذكر لإعتماد – لكل إعتماد – إلا موقفا سلبيا واحدا تتوارى بجانبه الإيجابيات وتستحق من أجله أن تكون من أهل النار!


وللحديث بقية ..


===

نشرت بدوت مصر بتاريخ: 25 مايو 2015

رهانات كليوباترا الخاسرة

 كليوباترا السابعة آخر ملوك مصر من البطالمة. والبطلة الملهمة التي أثارت خيال الأدباء والشعراء لم تكن كبقية نساء عصرها (وعصور تلتها)، ففي حين تُقدم النساء عادة بصفة الجمال، توصف كليوباترا أولًا بالذكاء، وثانيًا بسعة الثقافة وطلاقة اللسان وفي الأخير يأتي الجمال، ليس لأنه ينقصها بل لأن غيره من صفاتها أشد فتنة من أي وصف للجمال. 


ورثت كليوباترا حكم مصر مع أخيها في فترة عصيبة من تاريخ مصر والعالم. لم تكتفِ كليوباترا بمشاركة أخيها الحكم وبدأ الصراع. دفعها هذا الصراع للهرب من مصر لسوريا. وفي سوريا، قامت كليوباترا بما يقوم به الملوك عادة عندما يجبرهم أعداؤهم على الهرب. استعدت للحرب.


عادت كليوباترا إلى مصر على رأس جيش لتسترد ملكها. وكان العالم وقتها على مشارف "نظام عالمي جديد". كان تحالف الحكم الثلاثي الأول يسقط في روما سيدة العالم. مات كراسوس واشتبك بومبي ويوليوس قيصر في حرب أهلية، هرب على إثرها بومبي لمصر طالبًا اللجوء من بطليموس الثالث عشر (أخو كليوباترا ومنازعها على العرش).


نصب بطليموس فخًا لبومبي وقتله ظنًا منه أن في قتله إرضاءً لقيصر الذي أصبح بموت بومبي سيدًا لروما سيدة العالم.  ولكن رأس بومبي لم تشفع لبطليموس الثالث عشر. في حين تمكنت كليوباترا من استمالته وإقناعه، بعد أن رتبت دخولها لغرفته ملفوفة في سجادة.  وهكذا أصبحت كليوباترا ملكة مصر.


وطدت كليوباترا علاقتها بقيصر بعد حادثة السجادة. كانت كليوباترا امرأة طموح ولم يقف طموحها عند عرش مصر. كانت تطمح في أن تحكم العالم، وكان قيصر يحكم العالم وهكذا جمعهما "الحب"، حب المجد!


لم تتزوج قيصر ولكنها أنجبت منه طفلا لم يهتم قيصر بإثبات نسبه إليه. تبعت كليوباترا قيصر إلى روما. ومكثت في معيته سنتين. كانت خطة كليوباترا تسير على خير ما يرام لولا أن روما ضربتها القلاقل من جديد وقُتل يوليوس قيصر.


وفي حين عادت كليوباترا لمصر استقرت روما على تقسيم العالم بين ثلاثة من ورثة قيصر. ووقعت مصر، ومن ثم كليوباترا، ضمن نصيب مارك أنطونيو. 


وكما راهنت كليوباترا على يوليوس قيصر راهنت على مارك أنطونيو، وبدا أن رهانها في محله. كان أنطونيو رجلًا محبًا للمباهج وكانت كليوباترا بهجة لا يُمكن لمثله تجاهلها.


جمعهما الحب ربما، لكن في الأغلب جمعتهما المصلحة. كانت كليوباترا تبحث عن المجد وكان يبحث عن اللذة. لم تبخل كليوباترا عليه باللذات وقابل عطاءها بسخاء. فمنحها الممالك بجانب حكمها لمصر. وتوج أبناءه منها ملوكًا رغم أنه ككقيصر لم يتزوجها.


وكادت حياتهما لتستمر في هناء لولا أن كليوباترا نست أو تناست أن لمارك أنطونيو شركاء في حكم العالم. وأنها لن تتمكن من استمالتهم جميعًا باللذة.


كان طموح كليوباترا وإشباع أنطونيو لهذا الطموح هو مدخل أعداء أنطونيو لحربه. وبدلًا من أن تكون كليوباترا دعمًا حقيقيًا له، كما تعاهدا، تحولت إلى عبء. ربما كانت تصرفاتها نابعة من سوء تقدير وربما كانت مناورة في سبيل رهان جديد. بغض النظر عن الدوافع، كانت كليوباترا سببًا من أسباب هزيمة أنطونيو في أكتيوم. وكانت هزيمة أكتيوم هي بداية نهايته وكان في نهايته نهايتها.


كانت كليوباترا امرأة ذكية استخدمت ما لديها من جمال وثقافة واسعة لتوفير "مستقبل آمن". فأتى لها المستقبل الآمن بسرير ذهبي ولدغة ثعبان!


===

نشرت بدوت مصر بتاريخ: 23 فبراير 2015