‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المصري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المجتمع المصري. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 مايو 2025

متلازمة فوزية

 

نشرت بدوت مصر بتاريخ: 4 أغسطس 2014

====



"حاول يمسك إيدي يا بابا!*" هكذا بدأت "فوزية" - كبرى بنات "الدكتور رأفت" وصاحبة قصة من ثلاث قصص لثلاث أخوات ناقشتهم المسرحية الشهيرة "سك على بناتك"- حكاية شجارها مع "حنفي" خطيبها.

كان حنفي قد اختفى في ليلة الزفاف. وباستجواب الأب لابنته اكتشف أن شجارًا قد دار بينهما في الليلة السابقة بسبب محاولة حنفي أن يساعد فوزية في تخطي الشارع.

كانت صدمة الأب والجمهور عظيمة حينما اكتشفوا أن حنفي ولمدة سبع سنوات كاملة لم يحاول أن يمس فوزية. ولا حتى لمسة يد.

في دفاعها عن نفسها بررت فوزية منعها حنفي من "مسكة الإيد" بإنها كانت تنفذ تعليمات والدها.

كانت فوزية فتاة ملتزمة بالتقاليد المحافظة، فحتى لمسة اليد تعد "تفريط" لا يليق بها "واعتداء" يستوجب أن "تلم الناس" على حنفي.

"كنتِ سيبيه يمسكها يا فوزية" جاء رد الأب وضحكات الجمهور معاكسًا لما ظنته فوزية التصرف السليم. في لحظة بدا أن نظام الأخلاقيات الذي طالما آمنت به على وشك الانهيار. فالعريس "طفش" لإنها لم تتركه يلمسها.

من حسن حظ فوزية أن حنفي كان يوافقها المبادئ. وكان تأخيره على حفل زفافه راجع لأسباب أخرى غير "مسك الإيد". فلم يكن عليها أن تفكر طويلا في جدوى نظام الأخلاقيات الذي تؤمن به وحافظت عليه. لكن في عالم غير عالم فوزية المحدود، تواجه كل "فوزية" مع "حنفيها" لحظة مماثلة. يمد حنفي يده ليلمسها ويصبح على فوزية اتخاذ قرار. "تسيبه يمسكها" أم "تلم الناس عليه".

 

يمثل حادث محاولة حنفي الإمساك بيد فوزية مرحلة إدخال الجنس إلى العلاقة. فعلى الرغم من هواية سكان هذا الجزء من العالم إنكار حقيقة بأن الجنس جزء أصيل في العلاقات بين الرجال والنساء. إلا أن الإنكار لا ينفي هذه الحقيقة العالمية.

 

هناك ثلاث سيناريوهات لتلك اللحظة الفاصلة في العلاقة. السيناريو الأول أن يرغب كلٌ من حنفي وفوزية في الشيء ذاته في الوقت ذاته وتتزامن أفكارهم ورغباتهم ورؤيتهم للعالم. السيناريو الثاني أن تكون فوزية هي البادئة بالإغواء ومن ثم على حنفي اتخاذ القرار. أما السيناريو الثالث، والأكثر شيوعًا، هو أن يحاول حنفي أن "يمسك يدها"، أي يعرض الرجل تطوير العلاقة لمستوى ما من التفاعل الجسدي.

 

الجنس يَجُب ما قبله. وعلى الرغم من إنه لا يُعقد العلاقات إلا إنه يكشف حقيقة العلاقة سريعًا. فهناك حنفي الذي سينهي العلاقة ما أن يصل لأقصى ما يمكن لفوزية أن تمنحه. وهناك حنفي الذي سينهي العلاقة إذا تمسكت فوزية بأن "تلم الناس عليه". وهناك حنفي الذي سيكره فكرة "المنح" لإن الجنس فعل تشارك. وهناك حنفي الذي سيظن بفوزية السوء لإنها تشاركه ولا تمنحه وتمنعه. وهناك حنفي المبتز الذي يلوي مشاعرها للوصول لمراده.

كما أن هناك حنفي المتفهم، المحب، الذي لا يضغط ولا يبتز. الذي يستثمر في العلاقة لينميها وينمو معها.

 

قد تساعد الخبرة أو الحظ في تحديد نوع الحنفي الذي على فوزية اتخاذ قرار مشاركة لحظة خاصة جدًا معه. وقد ترفض فوزية إيثارًا للسلامة أو قد تغامر وتقع في شرك الخداع.

لكن الطريق الوحيد لتجنب الندم هو ألا تتخذ فوزية قرارها تحت أي ضغط. لا ضغط حنفي وابتزازه وتهديده بالهجر إن لم ترضخ. لإن من يهدد بالهجر سيهجر يومًا ما ولو بعد حين.

ولا تحت ضغط تقدم السن مثلًا. فذات الأربعة والعشرين، مثلًا، سترفض عرض حنفي بلا تردد. في حين قد تقيم ذات الأربعة والثلاثين العرض تقييمًا جديًا، إلا أن عذراء الرابعة والأربعين، في الأغلب، ستقبل العرض بلا تفكير.

 

الضغط الوحيد الذي على فوزية الخضوع له هو ضغط رغبتها المخلصة في تشارك لحظة خاصة مع حبيبها. كل ما دون ذلك شك يورث الندم!

 

 

====

* لسماع المقطع : https://soundcloud.com/m7mdy0unis/mkmhorx6nn9j

 

الاثنين، 2 مايو 2016

اللمبي!




في تقليد سنوي بدأ من حوالي المئة عام، يحتفل المواطن المصري من سكان مدن القناة (خاصة بورسعيد) بشم النسيم بحرق دمية "اللمبي". هذا الطقس الإحتفالي مثله مثل اليوم المحتفى به في الدلالات التاريخية.

تبدأ قصة حرق "اللمبي" مع محمد علي باشا. عُرض على محمد علي باشا مشروع طموح سيغير شكل التجارة العالمية ولكن محمد علي باشا رفض المشروع، ويقال أنه قال في أسباب رفضه "لا أريد بسفورًا أخر في مصر". كان المشروع هو "قناة السويس". وكان رفض محمد علي باشا للمشروع في وقتها قرارًا حكيمًا. كان الباشا مشغولًا "برستأة" حكمه في مصر التي كانت جزءً من الإمبراطورية العثمانية. كان الباشا يناوش العثمانيين تارة ويهادنهم تارة. وكان يتحالف مع أعدائهم أحيانًا كما كان ذراعهم التي تطول أعداءً أخرين في أوقات أخرى. كان مشروع القناة مشروعًا طموحًا "لوجع الدماغ". كانت مصر طرفًا في صراع قائم بين قوى العالم في وقتها، وكانت القناة ستجعل مصر على رأس أجندة الصراع وليست على هامشه.


ولكن ورثة محمد علي لم يكونوا بحكمته، أو ربما لم يجدوا غضاضة في التحرك من هامش الصراع العالمي إلى قلبه. منح سعيد باشا حق حفر القناة لشركة فرنسية مما أثار حفيظة الإنجليز. شكل حفر القناة تهديدًا مباشرًا للمصالح الإنجليزية، فحاول الإنجليز عرقلة المشروع ثم السيطرة عليه، تارة بشراء حصة مصر وتارة بالتدخل العسكري بحجة دعم الخديوي توفيق في مواجهة تمرد أحمد عرابي.  ولم يهدأ لهم بال حتى تم توقيع إتفاق القسطنطينية الذي يقر بأن القناة مجرى ملاحي محايد.

لكن تواجد الإنجليز لحماية القناة ومن ثم مصالحهم لم ينهي صراع القوى العالمية ولم يخرج مصر من قلب هذا الصراع. ومع إندلاع شرارة الحرب العالمية الأولى أصبحت مصر"العثمانية" تحت حماية البريطانية.
وفي 1915 تحركت قوة ألمانية عثمانية مشتركة للسيطرة على شبه جزيرة سيناء وقناة السويس.

وهنا يظهر "اللمبي" للأضواء.



"اللمبي" هو الفيلد مارشال "إدموند ألنبي"( وكما هو واضح وقع إسمه ضحية لمقص "الفوناتيكس"). قاد الفيلد مارشال ألنبي قوات التجريدة المصرية في حملة سيناء وفلسطين في الحرب العالمية الأولى. دافع ألنبي عن سيناء والقناة ضد الهجوم العثماني ونظم القوات للإستيلاء على غزة وحيفا وبئر سبع والقدس ووادي الأردن .. إلخ من وقائع المسرح العربي في الحرب العالمية الأولى.

حارب ألنبي وإنتصر. ويمكننا إعتباره أحد مهندسي الشرق الأوسط الذي تربينا على "حدوده". ويحتفى به وببطولاته في دول جارة تدين لجهوده بوجودها. لكن بطولاته هذه لم تشفع له لدى سكان المناطق التي استبسل هو وجنوده للدفاع عنها!

أجبر ألنبي سكان القناة على مساعدته في حربه، التي يبدو أنهم لم يكونوا مكترثين بها كثيرًا، فأضمروا له الضغينة. ثم جاء عام 1919 بحراكه الوطني وكان الموقف المعروف للقوات الإنجليزية ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بتعين ألنبي مندوبًا ساميًا لمصر.

تحول ألنبي من بطل لكنية مصرية (تحول الألف واللام في بداية إسمه إلى ألف ولام التعريف بنفس مقص الفوناتيكس الذي حول النون ميمًا) ترمز لكل ما هو مكروه يتم حرقها في إحتفال سنوي يثبت أن سكان هذه الأرض أقدم من كل "لمبي" مر عليها.



كل سنة وإنتم مصريين!


الجمعة، 15 أبريل 2016

أن تكون ميرديث جراي!


"عايزة تطلعي إيه لما تكبري يا شيماء؟"

تطاردنا هذه النوعية من الأسئلة صغارًا. يداعبنا الكبار محاولين أحيانًا تحفيزنا على التفكير في المستقبل وأحيانًا أُخر يجدون في السؤال طريقة لتوصيل معلومات عن المهن المختلفة. ولكنه في أغلب الوقت سؤال لتمضية الوقت وطريقة غير ظريفة "للإستظراف".

في كل مرة كانت إجابتي تختلف، مررت بفترة "عايزة أبقى مدرسة"، ثم إنتقلت ل"عايزة أبقى ضابط/ طيار .. إلخ". ومررت بفترة "عايزة أبقى دكتورة" ولكنها لم تكن طويلة. ومنها إنتقلت "لعايزة أبقى سفيرة". وفي جلسة عائلية ذُكر الكاتب محمد حسنين هيكل، وعقب أحد الجلوس بأن مقاله الأسبوعي يوم الجمعة كان بمثابة وجبة ينتظرها الجميع ليعلموا ماذا حدث في العالم وما يتنظرهم في الوطن. قررت بعد هذه الجلسة "إني لازم أبقى هيكل". ولكنني لم أصبح أيًا من الإجابات التي عشت معها سنوات طويلة. درست المحاسبة، وأقنعتني صديقة بإنني يجب ألا أنخرط في الدبلوماسية حتى لا أصبح جزءًا من "النظام".

ظل "هيكل" حلم، لكن أنا فين وهو فين. ولم أتوقف عن حلم "لما أكبر عايزة أبقى هيكل" إلا عندما وقعت في حب مسلسل "جرايز أناتومي" وأصبح حلمي الجديد "عايزة لما أكبر أبقى شوندا!"
أول ما يخطر بالبال ردًا على هذا الحلم: "بس إنت كبيرة يا شيماء". ولكن شيماء لا يهمها كثيرًا إذا ما كانت "كبيرة" بالفعل ولا إنه من المستحيل أن نكون غير أنفسنا. شيماء فقط تريد أن تستطيع يومًا ما أن تخلق شخصيات من العدم وتحركها وتشذبها وتختبرها بالنعم تارة والإبتلاء تارة. شيماء تريد أن تخلق التجربة وتنظر كيف يخرج منها شخوصها في كل مرة كما لو كانت تشهد ميلادهم مرة بعد مرة.
شيماء تريد أن تفعل ما تفعله شوندا – رغم قسوته – شيماء تريد أن تنقل الحكمة الكامنة في الحدوتة العبثية.

أشهر حواديت شوندا العبثية هي حدوتة ميريدث جراي. تبدأها شوندا برجل، لا نعرفه ولا تعرفه ميريدث. رجل عاري على أرضية منزل يبدو مهجورًا. نكتشف مع الوقت أن ميريدث "العابثة"، سوداوية ومعقدة  Dark & twisty . قصة ميريدث هي قصة صراع تقليدي وأزلي مع ظل الأب (أو في حالتها ظل الأم).

تخبرنا شوندا في قصة ميريدث عن صراع المرأة في بدايات القرن الواحد وعشرين مع ميراثها من أمها بنت حركة التحرر في السبعينات. نكتشف أن ميرديث معقدة وسوداوية بسبب هذا الميراث. تطاردها وصية أمها "كوني غير إعتيادية يا ميرديث" Be Extra-ordinary Meredith ، كما يطاردها شبح الموت بالمرض الذي قتل أمها. تحاول ميريدث أن تنفذ وصية أمها، ف"بتطلع دكتورة زي ماما" ولكن أمها لم تكن أية طبيبة، أمها هي أليس جراي. تحمل ميريدث إسمها وبعض من ملامحها ونشاهد كيف تقاتل ظل الأم في المهنة. تحاول ميرديث أن تكون "غير إعتيادية"، تنافس أقرانها للتفوق. وكانت حياة ميرديث لتكون أقل سوداوية وتعقيدًا لو كانت المهنة هي المجال الوحيد الذي عليها أن تقتل شبح أمها فيه. ولكن كان عليها أيضًا أن تقتل شبح أمها في حياتها الشخصية. فأمها مرت بتجارب شخصية فاشلة، زيجة فاشلة وزوج هارب وإبنة تربيها وحيدة. تقع أم ميريدث في حب زميل، ولكن زميلها متزوج. يختار زميلها زوجته وتقرر أم ميريدث محاولة الإنتحار كصرخة أخيرة. تطارد ميريدث أشباح أبيها الهارب ودماء أمها على أرضية المطبخ. فتتعامل مع الحب بعبثية، تقفز من رجل مجهول لرجل مجهول وتكتم خوفها بجرعات التاكيلا.

ولكن أحد "المجاهيل" يصبح حبها الأوحد.  ويصبح عليها أن تحارب به وفيه ظلال فشل أمها العاطفي. تكون أسرة، تنجب الأطفال، تنعم بالإستقرار الذي لم تجربه أمها يومًا.

هل قتلت ميريدث شبح الأم أم أصبحت نسخة منقحة من هذا الشبح؟

هل يمكننا الهروب من مصير أباؤنا أم أن المصير ميراث ثابت، يتنكر ولا يتغير؟

لا يمكنني أن أجيب أيًا من تلك الأسئلة يقينًا ولكن يمكنني أن أجيب بأنني يقينًا لن أصبح هيكل أبدًا كما لن يمكنني أبدًا أن "أكبر وأبقى شوندا" ولكن ربما أنا – كما كثيرات غيري – لست إلا ميرديث جراي!


السبت، 9 مايو 2015

معارك الحجاب


تمر البلاد، كما نعلم، بظروف عصيبة. قد يظن البعض أن الظروف العصيبة بدأت مع أحداث يناير 2011. لكن ممكن، بقليل من المخاطرة، القول بأن بداية هذه الظروف العصيبة كان عصر "الإنفتاح".

حاول الرئيس السادات تحرير الإقتصاد وإنتهت المحاولة بقليل جدًا من التحرير الإقتصادي والكثير جدًا من التحرك الطبقي. وإستمر هذا التحرك، أو التقلب، طوال عقود حكم الرئيس مبارك. وكان أن إزدهرت فكرة العمل بالخليج. وما إستتبعها ليس فقط من تراكم ثروات لدى فئات مختلفة من المجتمع بل أيضًا تراكم "ثقافة" مختلفة.
ولإن من طبع الإنسان "التطلع" ومن سمات التطلع "التقليد". كان أن إنتشرت أنماط من السلوكيات، يراها أي مصري "غير منفتح" دخيلة. في حين هي بالنسبة للمصريين المنفتحين "بديهيات".

تتبع الدكتور جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" هذه الأنماط وحللها بدقة. أصبح المصري يميل للإستهلاك و"الفشخرة". ساعده الإصلاح الإقتصادي في التسعينات على نقل أنماط الإستهلاك "الخليجي" دون الحاجة للسفر للخليج.

ومع مطلع الألفية أصبح "تغير" المصريين محور خلاف حول ما كان من ثوابت تعريف الوطن والإنتماء والسعادة والحرية.

أصبحت "المصرية" مع مطلع الألفية على المحك بعد عهود من الفكر القومي، سواء المصري أو العروبي. أتت "العولمة" لتزيد من أزمة "المصرية" التي تأثرت بالمد الخليجي.  

ظهر "المصري" العالمي، الذي لا يؤمن بأرض، ظهر "المصري" الغربي الذي يضع مصر وفرنسا مثلًا في جملة مقارنة دون أن يرمش له جفن. كما ظهر "المصري" الإسلامي، الذي لا يؤمن بوطن غير الدين. وفي قلب الصراع على الهوية تأتي قضية الحجاب.

والحجاب ساحة عراك قديمة ومفضلة، صراع على الهوية، وصراع من أجل "الحداثة، وصراع من أجل "نشر الفضيلة". بدأت المعركة بهدى شعراوي التي تخلصت من قيد رجعية الدولة العثمانية وخلعت الحجاب مؤكدة في وقتها على ميلاد "المصرية الحديثة". إستمرت موجة المصرية الحديثة مع مشروع ثورة يوليو 1952 لتقليب الطبقات. حتى كان ما كان بعد معاهدة السلام والإنفتاح وتراكم ثروات الخليج العربي وعاد الحجاب ليتسلل ويصبح واقعًا جديدًا يعيد أسئلة الهوية والحداثة والفضيلة.

لكن هل الحجاب دخيل على مصر؟ الإجابة لا!

وقبل أن تتهمني عزيزي القارئ الكاره للحجاب بإنني محجبة أخرى تدافع عن الحجاب دعني أولُا أعرف الحجاب "المصري". الحجاب المصري يمكن تتبعه في صور القديمة لمصر وسكانها. ستجد أن الفلاحات ترتدين الجلباب وتغطي رؤسهن غطاء خفيف للرأس. يمكن أيضًا تتبع "الملاية اللف" وغيرها من طرق الإحتشام. لكن إرتبطت هذه الأشكال من الأزياء بطبقات معينة. وإرتبط نمط الأزياء الأوروبي بالطبقات الراقية.

إذن الفكرة ليست دخيلة، ولكن إنتشارها في الطبقات المفترض فيها الإنتماء "للحداثة" هو ما يثير الإستفهام.
ويمكن القول أن "الحجاب الحداثي" إنتشر لأسباب منطقية. فمع التحرك الطبقي والتطلع لنمط الحياة الخليجي وموضة الدعاة الجدد الذين يتبعهم نجوم المجتمع. أصبح من البديهي أن يصبح الحجاب موضة. لا تعكس إيمان بأي أفكار بقدر ما تعكس رغبة في الإنتماء لمجموعة.

والنظر للحجاب "كموضة" ينزع عنه فكرة تمثيله لأزمة الهوية رغم كونه عرض من أعراضها عند البعض. كما ينزع عنه فكرة تمثيله للرجعية، لإنه مجرد "طريقة لإرتداء الملابس".

ويمكننا من النظر له في ضوء معطيات ما بعد يناير 2011. فبعد يناير أصبحت "الموضة" هي خلع الحجاب. وواكب هذه الموضة، موضة السخرية من حجاب المحجبات الائي لا يلتزمن بمعايير "الحجاب الشرعي".
أصبحت قضية الحجاب، قضية أخرى من قضايا "حق تقرير المصير". جاءت يناير بشعارات ومطالب عدة إلا مطلب واحد هو لسان حال الكثيرين في "جيلي" وأجيال أخرى، "عايزين نعيش".

لسبب ما الحياة في هذا الجزء من العالم ليست قرار شخصي، يجب على قرارك أن يحظى برضاء الكثيرين قبل أن تتمكن من إتخاذه. وحتى بعد إتخاذه سيكون عليك أن تتعامل مع غضب الكثيرين لأسباب لا تعلمها.
حق تقرير المصير، هو حق إتخاذ القرار بحرية دون ضغوط من أي نوع. والحجاب قرار أخر لا يخص أي إنسان إلا صاحبته.

لا تنتظر تحذيرك بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا قررت خلعه. كما لا تنتظر تذكيرك بإن حجابها "غير شرعي". ولا تريد نصيحتك المستمرة "إقلعيه أحسن".


هي حرة ! 

مولد سيدي "تحرش"


هناك طريقتين للحياة في هذا الجزء من العالم. الطريقة الأولى هي "الفقاعة". أن تصنع عالمًا يخصك، وتحيط مجتمعك وأفكارك بسياج لا يسمح بمرور مالا يتوافق مع قوانينك.
الطريقة الثانية، والتي يدعي الكثير أنها خيارهم المفضل، هي مواجهة "الحقيقة". لكن للأسف الحقيقة مؤلمة ولا يُدركها كاملة حتى أعقل العقلاء. مما يجعلنا جميعًا، مهما حاولنا، من صناع الفقاعات.

وفي الفقاعة، كل شئ مطلق. كل "ثوابت" أفكارك بديهيات. وكل البديهيات يقين لا يقبل الشك. تساعد الفقاعة على سهولة تقييم المواقف وإتخاذ القرارات. تحتمل الحقيقة "حقان" و"باطلان" لكن تختفي نسبية الحقيقة داخل الفقاعة وتصبح وجهات النظر مطلقة. فأنت الحق ومادون فقاعتك الباطل.

تبدأ الفقاعات كحلول فردية للتعامل مع عدم "شمول" الحقيقة و قسوة ألمها. لكن تتحول الفقاعة لجزء من المشكلة حين تصبح مظلة يجتمع تحتها أصحاب نفس "التخيلات".

تأخذ العلاقة بين الفقاعات المختلفة شكل الصراع بين الحق والباطل. يبدأ في العادة بالتنابز وقد ينتهي بالعنف.
والعنف أشكال، فالحروب عنف. التفجيرات الإنتحارية عنف. تراشق جماهير الكرة بالحجارة عنف. التمييز ضد طائفة من المجتمع عنف. وفي الأمثلة السابقة يلجأ أحد الأطراف للعنف للدفاع عن ثوابت فقاعته، مرة دفاعًا عن الحرية ومرة الإسلام ومرة تميز فريقه ومرة أفضيلة طائفته.

ولإن المرأة "نصف الدنيا" فهي أيضًا نصف صراع الفقاعات.

يأخذ العنف ضد المرأة أشكال مختلفة ومن أكثر أشكاله إنتشارًا، والذي تتعرض له معظم النساء، "التحرش الجنسي". والتحرش الجنسي مصطلح إعلامي فضفاض يضم تحته ثلاث أنواع من العنف الجنسي تجاه النساء.

الأول: التحرش اللفظي  (catcalling)
وفيه يقرر "ذكر" ما توجيه "ألفاظ" أو "صفير" أو "بسبسة" لأنثى لا يعرفها.

الثاني: الإعتداء الجنسي (Sexual Assault)
وفيه يقرر "ذكر" ما أن يلمس أنثى متعمدًا لغرض جنسي. يستوي في ذلك المتخفي في الزحام للمس مؤخرات النساء إلى المتخفي وراء سلاح مرغمًا أنثى على علاقة كاملة.

الثالث: المضيقات الجنسية  (Sexual Harassment)
وهو أن يقوم ذكر بإستخدام نفوذه الوظيفي (مدير وموظفة، مدرس وطالبة .. إلخ) لإجبار أنثى على تقديم خدمات جنسية وإلا يعطل لها مسارها المهني.

تختلف النظرة لأسباب العنف وتقدير ضرره وطرق علاجه بإختلاف الفقاعة (الثوابت ووجهات النظر).
ففقاعات المجتمعات المحافظة تجرم التحرش الجنسي ولكن تعتبره جريمة ذات فاعلين. والفاعل الأكثر إثمًا هو المرأة المتحرش بها.

فتبعًا لتفسيرات الفقاعات المحافظة، التحرش اللفظي ما هو إلا مجاملة للمرأة الجميلة وهي المخطئة لإنها لم تخفي جمالها. والإعتداء الجنسي جريمة تتحمل إثمها المرأة التي لم تلتزم بزي محتشم أو تواجدت في مكان منعزل أو حتى ساقها حظها السيء لظروف بدت لذكر ما أنها ملائمة لإرتكاب جريمته. أما المضايقات الجنسية في مجال العمل فلا تعترف بها فقاعات المجتمعات المحافظة لإن كما هو معروف "هي عايزة كده!"
في وجهة نظر المحافظين، التبريرات منطقية وما يتبعها من لوم مستحق وما يقترحونه من حلول كافي. إلا أن وجهة النظر هذه تُغفل كما حال باقي الفقاعات نسبية الحقيقة.

ففي الحقيقة قد تكون ثوابت تلك الفقاعات المحافظة هي السبب الرئيسي وراء ظاهرة العنف تجاه النساء. فالعنف تجاه النساء لا ينتشر في المجتمعات المنغلقة تمامًا ولا المجتمعات المنفتحة تمامًا. تتنشر الظاهرة في مجتمعات البين بين. حيث تتصارع الفقاعات المحافظة مع الفقاعات التحررية المؤمنة بأن كل بني أدم سواء.
في مجتمعات البين بين، تهدد المرأة مكانة "الذكر" المحجوزة في الفقاعة المحافظة. تهدد عرشه الموروث بمشاركته فيما كان يومًا ساحته الخاصة. التعليم والعمل وحتى الإعالة. تنازع المرأة الرجل في مُلكه. تتنزع ما يراه، وتراه فقاعته، حقًا مشروعًا.

إهتز عرش "الذكورة" ولم يبقى لها من التفوق سوى التفوق الجسدي، فأصبح العنف هو سلاح بعضهم المفضل لإثبات إستمرار مجد يأفل أو  لزعزعة إستقرار عرشٌ بازغ.



الأربعاء، 6 مايو 2015

بين المطرقة والسندان


في زمن غابر كان الزواج سهلًا وبديهيًا ووظيفة أساسية. لم يكن سؤال "هي الناس بتتجوز ليه" مطروحًا أصلًا.
وكان الزواج قرارًا أبويًا. يقرر الأب أن يزوج إبنه لإنه "بقى راجل". ولم يكن للبنت من بعد بلوغها دورًا سوى إنتظار "العَدَل". مع الوقت أصبح هناك هامش أكبر من الحرية للأبناء. كأن يختار الإبن عروسه من بين كثيرات إخترهن أبيه. أو أن تُسأل الإبنة في رأيها قبل أن يقرر والدها تزويجها.
ثم تطور الزمن أكثر ولم يعد للأباء اليد العليا في زيجات الأبناء، وإن إستمر دورهم المحوري في "الزن"!
يأتي حق الإختيار دائمًا برفاهية التفكير. فلا إختيار بلا تفكير منطقي (أو حتى غير منطقي). ومع التفكير وهامش الحرية فقد قرار الزواج الكثير من بديهيته كما فقد أبويته،  وأصبحت إجابة "إحنا بنتجوز ليه" ضرورية لعملية الإختيار.

إذن لماذا نتزوج؟

تختلف الإجابة بإختلاف الشخص وتتنوع الأسباب بإختلاف الظروف. لكن بصفة عامة يتزوج الناس لإشباع حاجات أزلية لا تتغير في جوهرها مهما تغير الزمن.
الحاجة لتكوين أسرة، والحاجة للنمو الإجتماعي، والحاجة للإنتماء، والحاجات الإقتصادية، والحاجة للأمان العاطفي، والحاجات الجنسية كلها حاجات أزلية تأتي في قلب إجابة سؤال لماذا نتزوج.
لكن أزلية الحاجات لا تعني أزلية طريقة الإشباع. كانت إجابة الأباء لهذه الحاجات هي الزواج لكن رأى الأبناء أنه بالإمكان إشباع معظم هذه الحاجات بطريق غير الزواج أو على الأقل تأجيل قراره.
كان الأب يفكر في تزويج إبنه الذي أصبح "رجلًا" مادام الإبن قادرًا على كسب قوت يومه. لم يعد كسب قوت اليوم كافيًا للوصول لمرحلة "بقى راجل".

يُؤَجل زواج الإبن في هذا الزمان لإعتبارات عديدة، لكن مهما تأجل القرار وتحايل الإبن لإشباع حاجاته المختلفة بغير طريق الزواج تظل الرغبة في إكمال صورة "الرجل" الإجتماعية دافعًا كافيًا للإبن للبحث عن عروس. وإن تقاعس يبدأ الأب والأم في حثه على الزواج حتى تكتمل صورته الإجتماعية "كرجل" بالزوجة والأبناء.

على الجانب الأخر لم تعد وظيفة البنت إنتظار "العَدَل" كما كان الحال من قبل. لم يعطي هامش الحرية والتفكير البنت الحق في رفض العريس فقط. بل أعطاها الحق في إختياره وتقرير مصيرها.
يُؤَجل زواج الإبنة كما يُؤَجل زواج الإبن. لكن على عكس الإبن الذي يُؤجل زواجه لإعتبارات عمله للوصول لمرحلة "بقى راجل". تصل البنت لمرحلة "بقت عروسة" بمجرد البلوغ. ويصبح تأجيل زواجها معاكسًا لبديهية فكرة الزواج الأبوية. فالبنت في فكرة الزواج الأبوية "مالهاش غير بيتها وجوزها". تُقبل فكرة التأجيل لعدة أسباب منها تأمين مستقبل الإبنة بالتعليم والعمل.

بإكتمال خطة التأمين بالعلم والعمل يبدأ "الزن" المقدس من أجل الموافقة على العريس.
ومع بدء "الزن" تواجه "العروس" عدة تحديات من أجل إتخاذ القرار. التحدي الأول هو ميراث تقاليد نظام الزواج الأبوي. فالعروس كما العريس لديها إحتياجات مختلفة يُلبيها الزواج. لكن على عكس العريس لا يتوقع منها مجتمع الأباء أن تُصرح برغبتها في الزواج. فدور العروس هو فقط الموافقة. لكن إن صرحت برغبة في الزواج فهي"قليلة الأدب" و "بترخص نفسها". وإن لم تقبل بأي "عريس" فهي "بتتعزز" ومصيرها "تبور".
ينتظر نظام الزواج الأبوي من العروس، رغم إختلاف الزمان والظروف، أن تتصرف مثلما تصرفت جدات الجدات. أن تسكت كعلامة على رضاها عمن إختاره لها أباها.

التحدي الثاني هو ميراث الحرب من أجل الحرية. حاربت النساء جدة بعد جدة وأمًا بعد أم من أجل حق تقرير المصير والخروج من تحت عباءة "ظل الرجل". أصبح ممكنًا للبنت أن تعمل وتتعلم وأن تعيش دون قيد التبعية لرجل. لا تعارض الحرب من أجل الحرية فكرة الزواج، بل فقط تُنكر أولويته.
في نظر الحرب من أجل الحرية الزواج ليس مهمًا وعلى المرأة تأجيله والتحايل لإشباع حاجتها المختلفة مثلها مثل الرجل حتى تحين اللحظة المناسبة وتجد الشخص الملائم.

وعندما تحين اللحظة المناسبة تجد "البنت" نفسها مجددًا مابين مطرقة التقاليد التي لن تسمح لها بالتصريح في رغبتها في الزواج ولا تقبل سعيها إليه وبين سندان ميراث الحرية الثقيل الذي يدفع ببديهية الزواج لأخر قائمة الأولويات.

لم يعد الزواج سهلًا .. ولا بديهيًا!