الأربعاء، 6 مايو 2015

بين المطرقة والسندان


في زمن غابر كان الزواج سهلًا وبديهيًا ووظيفة أساسية. لم يكن سؤال "هي الناس بتتجوز ليه" مطروحًا أصلًا.
وكان الزواج قرارًا أبويًا. يقرر الأب أن يزوج إبنه لإنه "بقى راجل". ولم يكن للبنت من بعد بلوغها دورًا سوى إنتظار "العَدَل". مع الوقت أصبح هناك هامش أكبر من الحرية للأبناء. كأن يختار الإبن عروسه من بين كثيرات إخترهن أبيه. أو أن تُسأل الإبنة في رأيها قبل أن يقرر والدها تزويجها.
ثم تطور الزمن أكثر ولم يعد للأباء اليد العليا في زيجات الأبناء، وإن إستمر دورهم المحوري في "الزن"!
يأتي حق الإختيار دائمًا برفاهية التفكير. فلا إختيار بلا تفكير منطقي (أو حتى غير منطقي). ومع التفكير وهامش الحرية فقد قرار الزواج الكثير من بديهيته كما فقد أبويته،  وأصبحت إجابة "إحنا بنتجوز ليه" ضرورية لعملية الإختيار.

إذن لماذا نتزوج؟

تختلف الإجابة بإختلاف الشخص وتتنوع الأسباب بإختلاف الظروف. لكن بصفة عامة يتزوج الناس لإشباع حاجات أزلية لا تتغير في جوهرها مهما تغير الزمن.
الحاجة لتكوين أسرة، والحاجة للنمو الإجتماعي، والحاجة للإنتماء، والحاجات الإقتصادية، والحاجة للأمان العاطفي، والحاجات الجنسية كلها حاجات أزلية تأتي في قلب إجابة سؤال لماذا نتزوج.
لكن أزلية الحاجات لا تعني أزلية طريقة الإشباع. كانت إجابة الأباء لهذه الحاجات هي الزواج لكن رأى الأبناء أنه بالإمكان إشباع معظم هذه الحاجات بطريق غير الزواج أو على الأقل تأجيل قراره.
كان الأب يفكر في تزويج إبنه الذي أصبح "رجلًا" مادام الإبن قادرًا على كسب قوت يومه. لم يعد كسب قوت اليوم كافيًا للوصول لمرحلة "بقى راجل".

يُؤَجل زواج الإبن في هذا الزمان لإعتبارات عديدة، لكن مهما تأجل القرار وتحايل الإبن لإشباع حاجاته المختلفة بغير طريق الزواج تظل الرغبة في إكمال صورة "الرجل" الإجتماعية دافعًا كافيًا للإبن للبحث عن عروس. وإن تقاعس يبدأ الأب والأم في حثه على الزواج حتى تكتمل صورته الإجتماعية "كرجل" بالزوجة والأبناء.

على الجانب الأخر لم تعد وظيفة البنت إنتظار "العَدَل" كما كان الحال من قبل. لم يعطي هامش الحرية والتفكير البنت الحق في رفض العريس فقط. بل أعطاها الحق في إختياره وتقرير مصيرها.
يُؤَجل زواج الإبنة كما يُؤَجل زواج الإبن. لكن على عكس الإبن الذي يُؤجل زواجه لإعتبارات عمله للوصول لمرحلة "بقى راجل". تصل البنت لمرحلة "بقت عروسة" بمجرد البلوغ. ويصبح تأجيل زواجها معاكسًا لبديهية فكرة الزواج الأبوية. فالبنت في فكرة الزواج الأبوية "مالهاش غير بيتها وجوزها". تُقبل فكرة التأجيل لعدة أسباب منها تأمين مستقبل الإبنة بالتعليم والعمل.

بإكتمال خطة التأمين بالعلم والعمل يبدأ "الزن" المقدس من أجل الموافقة على العريس.
ومع بدء "الزن" تواجه "العروس" عدة تحديات من أجل إتخاذ القرار. التحدي الأول هو ميراث تقاليد نظام الزواج الأبوي. فالعروس كما العريس لديها إحتياجات مختلفة يُلبيها الزواج. لكن على عكس العريس لا يتوقع منها مجتمع الأباء أن تُصرح برغبتها في الزواج. فدور العروس هو فقط الموافقة. لكن إن صرحت برغبة في الزواج فهي"قليلة الأدب" و "بترخص نفسها". وإن لم تقبل بأي "عريس" فهي "بتتعزز" ومصيرها "تبور".
ينتظر نظام الزواج الأبوي من العروس، رغم إختلاف الزمان والظروف، أن تتصرف مثلما تصرفت جدات الجدات. أن تسكت كعلامة على رضاها عمن إختاره لها أباها.

التحدي الثاني هو ميراث الحرب من أجل الحرية. حاربت النساء جدة بعد جدة وأمًا بعد أم من أجل حق تقرير المصير والخروج من تحت عباءة "ظل الرجل". أصبح ممكنًا للبنت أن تعمل وتتعلم وأن تعيش دون قيد التبعية لرجل. لا تعارض الحرب من أجل الحرية فكرة الزواج، بل فقط تُنكر أولويته.
في نظر الحرب من أجل الحرية الزواج ليس مهمًا وعلى المرأة تأجيله والتحايل لإشباع حاجتها المختلفة مثلها مثل الرجل حتى تحين اللحظة المناسبة وتجد الشخص الملائم.

وعندما تحين اللحظة المناسبة تجد "البنت" نفسها مجددًا مابين مطرقة التقاليد التي لن تسمح لها بالتصريح في رغبتها في الزواج ولا تقبل سعيها إليه وبين سندان ميراث الحرية الثقيل الذي يدفع ببديهية الزواج لأخر قائمة الأولويات.

لم يعد الزواج سهلًا .. ولا بديهيًا!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات: