السبت، 9 مايو 2015

معارك الحجاب


تمر البلاد، كما نعلم، بظروف عصيبة. قد يظن البعض أن الظروف العصيبة بدأت مع أحداث يناير 2011. لكن ممكن، بقليل من المخاطرة، القول بأن بداية هذه الظروف العصيبة كان عصر "الإنفتاح".

حاول الرئيس السادات تحرير الإقتصاد وإنتهت المحاولة بقليل جدًا من التحرير الإقتصادي والكثير جدًا من التحرك الطبقي. وإستمر هذا التحرك، أو التقلب، طوال عقود حكم الرئيس مبارك. وكان أن إزدهرت فكرة العمل بالخليج. وما إستتبعها ليس فقط من تراكم ثروات لدى فئات مختلفة من المجتمع بل أيضًا تراكم "ثقافة" مختلفة.
ولإن من طبع الإنسان "التطلع" ومن سمات التطلع "التقليد". كان أن إنتشرت أنماط من السلوكيات، يراها أي مصري "غير منفتح" دخيلة. في حين هي بالنسبة للمصريين المنفتحين "بديهيات".

تتبع الدكتور جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" هذه الأنماط وحللها بدقة. أصبح المصري يميل للإستهلاك و"الفشخرة". ساعده الإصلاح الإقتصادي في التسعينات على نقل أنماط الإستهلاك "الخليجي" دون الحاجة للسفر للخليج.

ومع مطلع الألفية أصبح "تغير" المصريين محور خلاف حول ما كان من ثوابت تعريف الوطن والإنتماء والسعادة والحرية.

أصبحت "المصرية" مع مطلع الألفية على المحك بعد عهود من الفكر القومي، سواء المصري أو العروبي. أتت "العولمة" لتزيد من أزمة "المصرية" التي تأثرت بالمد الخليجي.  

ظهر "المصري" العالمي، الذي لا يؤمن بأرض، ظهر "المصري" الغربي الذي يضع مصر وفرنسا مثلًا في جملة مقارنة دون أن يرمش له جفن. كما ظهر "المصري" الإسلامي، الذي لا يؤمن بوطن غير الدين. وفي قلب الصراع على الهوية تأتي قضية الحجاب.

والحجاب ساحة عراك قديمة ومفضلة، صراع على الهوية، وصراع من أجل "الحداثة، وصراع من أجل "نشر الفضيلة". بدأت المعركة بهدى شعراوي التي تخلصت من قيد رجعية الدولة العثمانية وخلعت الحجاب مؤكدة في وقتها على ميلاد "المصرية الحديثة". إستمرت موجة المصرية الحديثة مع مشروع ثورة يوليو 1952 لتقليب الطبقات. حتى كان ما كان بعد معاهدة السلام والإنفتاح وتراكم ثروات الخليج العربي وعاد الحجاب ليتسلل ويصبح واقعًا جديدًا يعيد أسئلة الهوية والحداثة والفضيلة.

لكن هل الحجاب دخيل على مصر؟ الإجابة لا!

وقبل أن تتهمني عزيزي القارئ الكاره للحجاب بإنني محجبة أخرى تدافع عن الحجاب دعني أولُا أعرف الحجاب "المصري". الحجاب المصري يمكن تتبعه في صور القديمة لمصر وسكانها. ستجد أن الفلاحات ترتدين الجلباب وتغطي رؤسهن غطاء خفيف للرأس. يمكن أيضًا تتبع "الملاية اللف" وغيرها من طرق الإحتشام. لكن إرتبطت هذه الأشكال من الأزياء بطبقات معينة. وإرتبط نمط الأزياء الأوروبي بالطبقات الراقية.

إذن الفكرة ليست دخيلة، ولكن إنتشارها في الطبقات المفترض فيها الإنتماء "للحداثة" هو ما يثير الإستفهام.
ويمكن القول أن "الحجاب الحداثي" إنتشر لأسباب منطقية. فمع التحرك الطبقي والتطلع لنمط الحياة الخليجي وموضة الدعاة الجدد الذين يتبعهم نجوم المجتمع. أصبح من البديهي أن يصبح الحجاب موضة. لا تعكس إيمان بأي أفكار بقدر ما تعكس رغبة في الإنتماء لمجموعة.

والنظر للحجاب "كموضة" ينزع عنه فكرة تمثيله لأزمة الهوية رغم كونه عرض من أعراضها عند البعض. كما ينزع عنه فكرة تمثيله للرجعية، لإنه مجرد "طريقة لإرتداء الملابس".

ويمكننا من النظر له في ضوء معطيات ما بعد يناير 2011. فبعد يناير أصبحت "الموضة" هي خلع الحجاب. وواكب هذه الموضة، موضة السخرية من حجاب المحجبات الائي لا يلتزمن بمعايير "الحجاب الشرعي".
أصبحت قضية الحجاب، قضية أخرى من قضايا "حق تقرير المصير". جاءت يناير بشعارات ومطالب عدة إلا مطلب واحد هو لسان حال الكثيرين في "جيلي" وأجيال أخرى، "عايزين نعيش".

لسبب ما الحياة في هذا الجزء من العالم ليست قرار شخصي، يجب على قرارك أن يحظى برضاء الكثيرين قبل أن تتمكن من إتخاذه. وحتى بعد إتخاذه سيكون عليك أن تتعامل مع غضب الكثيرين لأسباب لا تعلمها.
حق تقرير المصير، هو حق إتخاذ القرار بحرية دون ضغوط من أي نوع. والحجاب قرار أخر لا يخص أي إنسان إلا صاحبته.

لا تنتظر تحذيرك بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا قررت خلعه. كما لا تنتظر تذكيرك بإن حجابها "غير شرعي". ولا تريد نصيحتك المستمرة "إقلعيه أحسن".


هي حرة ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات: