الأربعاء، 6 مايو 2015

جريمة الأنسة هافيشام





لدي إعتراف! أنا أكره تشارلز ديكينز!

أو كنت أكرهه. بدأت علاقتي بديكينز في المدرسة وكان أول لقاء بيننا هو ديفيد كوبرفيلد. ترك اللقاء في قلبي غصة. لم يستوعب قلبي وقتها جرعات الألم المكثف التي تمر بها الشخصيات. تنقلت بين سنوات الدراسة كما تنقلت مع ديكينز. ومن يتيم إلى يتيم وغصة إلى غصة زادت الكراهية.
إنقضت سنوات الدراسة وغَفرت لديكينز ذنوب مأساة ديفيد* وأوليفر** وبيب***. ولم يبقى له في ذاكرتي سوى مدام ديفارج**** والأنسة هافيشام.

الأنسة هافيشام هي إحدى شخصيات رواية ديكينز الأشهر، الأمال الكبرى. يقص لنا ديكينز في الرواية كيف تُنضج التجربة يتيمه بيب. كانت الأنسة هافيشام واحدة من تلك التجارب.
عجوز وحيدة، أقرب لتماثيل الشمع من البشر. ترتدي فستان زفاف فخم مطبوع بأثر الزمن كوجهها ووجه كل شئ في قصرها. ورغم أثر الزمن الواضح إلا أنه لم يطل عقارب ساعات القصر التي توقفت كلها على ساعة معينة.

تبدأ قصة العجوز وساعاتها المتوقفة في ليلة زفافها. تركها العريس بفستان الزفاف فلم تخلعه. وكما أوقفت الساعات أوقفت حياتها على الإنتقام.
تبنت العجوز طفلة ثم كبرت الطفلة لتصبح فتاة جميلة. وبدلًا من أن تنقذها العجوز من مصير مثل مصيرها قررت إستخدامها كأداة للإنتقام. إنتزعت العجوز قلب الفتاة وأبدلتها مكانه ثلجًا. فأصبحت الحسناء وحش كاسر يعيش على ألام غيره.

حينما شاهدت العجوز صنيعتها تكسر قلب البطل الشاب لم تسعد بل شعرت بالأسى. أدركت، متأخرًا جدًا، أن سعادتها ليست في آلام الأخرين. بل على العكس آلام الأخرين تشبه ألمها. ومع نار الندم حرقتها نار الشموع. ماتت الأنسة هافيشام محروقة بنار ضغينتها.
على الرغم من أن شخصية الأنسة هافيشام تبدو لوهلة شخصية خيالية، إلا إنه في الحقيقة هي شبح يطاردنا جميعًا في الكثير من الأوقات.

فجريمة الأنسة هافيشام الأولى والأخيرة ليست الإنتقام بالتحريض على كسر القلوب. جريمتها هي الذكرى!
كان بإمكان الأنسة هافيشام أن تجد ألف طريقة للإنتقام ممن تسبب في جرحها. كان بإمكانها أن تعيش حتى بلا إنتقام. إلا إنها فضلت معاقبة نفسها. أولًا بالسجن في القصر وثانيًا بالسجن في الذكرى.
فالذكريات سواء كانت حلوة أو مرة سجن يمنعنا من عيش الحاضر والتفكير في المستقبل.
كانت الأنسة هافيشام أسيرة الحنين لذكرى الفشل. كانت تحركها ضغينة حرصت كل الحرص ألا تخبو. مثلها في ذلك مثل الكثير من أسرى الألم. لا يتوقف العالم في حين يتوقف عالمهم عند لحظة.
كلٌ أسير الذكرى، حتى وإن لم تتوقف ساعاته.

قد لا ينتهي أيٌ من هؤلاء محروقًا بنار الشموع. لكن بكل تأكيد إن لم يتمكن أيهم من كسر أسوار سجن الذكرى ستصبح حكايته رغم الإختلاف كحكاية الأنسة هافيشام.

إمرأة ورجل ودرس .. إن لم تقتل الضغينة، قتلتك!

===
* بطل رواية ديفيد كوبرفيلد
** بطل رواية أوليفر تويست
*** بطل رواية الأمال الكبرى
**** من شخصيات رواية قصة مدينتين


     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات: