الثلاثاء، 3 مارس 2015

البحث عن نقطة للبداية


لم يعد الناس يموتون في هذا الزمان! في زمان سابق، كنا ندفن موتانا وننعيهم ونحزن عليهم ثم تأخذنا دوامات الحياة. منا من ينسى ومنا من يبذل مجهودًا حتى لا تُمحى ذكرى فقيده من ذاكرته.
في زماننا هذا ندفن أمواتنا لتلاحقنا حساباتهم على شبكات التواصل الإجتماعي، وأرقام هواتفهم التي لن تُجيب مهما كررنا الإتصال. في هذا الزمان لا يتحول أمواتنا إلى ذكرى ويبقى علينا التعامل مع وجودهم "المجمد" بصفة يومية.

وكما لا يموت الموتى في هذا الزمان، لا تنتهي العلاقات في هذا الزمان (إلا نادرًا). ففي زمان يسهل "الوصال" ويجعله على بعد كبسة زر يصبح الفراق "شبه" مستحيل.
في زمان سابق، إحتاج الوصال مجهودًا. كأن تذهب للقاء حبيبك مهما طالت المسافة. أو كأن تكتب رسائل طويلة وترسلها بالبريد. أو أن تفكر في الحيلة بعد الحيلة حتى تسرق من الزمان "لحظة وصال".
في زماننا هذا يصبح وصال الحبيب متاحًا وقتما شئت وأينما كنت. لم يعد للمسافات معنى، ولم يعد لمجهود الوصال ضرورة. أصبح الحبيب متاحًا على مدار الساعة، وأصبح فراق الأحبة تحدي حقيقي لا يستطيع الجميع تخطيه.

فالتكنولوجيا التي وفرت سهولة التواصل، وفرت أيضًا سبل المراقبة على البعد. تُمكنك التكنولوجيا من متابعة "مزاج" الحبيب عبر متابعة حسابه على تويتر، والأماكن التي يذهب إليها عن طريق متابعة حسابه على إنستاجرام مثلًا، كما تمكنك التكنولوجيا من معرفة أصدقاء حبيبك الجدد والأشياء التي أثارت إعجابه بمتابعة حسابه على الفيسبوك. وهكذا مع كل نافذة تتيحها التكنولوجيا لتسهيل التواصل تسهل أيضًا المراقبة عن بعد. ورغم كل المحاولات للتأمين ضد إختراق الخصوصية لن يوجد أبدًا نظام تأمين كامل. فمادامت المعلومة قد تم مشاركتها على الإنترنت فيمكن لأي باحث مثابر العثور عليها في يوم ما.
ستمكنك التكنولوجيا من معرفة أخبار حبيبك السابق دون الحاجة لسؤاله، كما تتيح لك أن تتصفح أمال وألام أمواتك بعد موتهم. لكن في الحالتين ستعطلك التكنولوجيا عن التعافي من "فقدك".
فإتاحة الأحبة بعد الفراق يمنعك عن الإعتراف بأنه لا أمل في عودتهم. تظن إنك تدرك هذا، وقد تبرر مراقبتك عن بعد بأنها من باب الفضول. لكن الحقيقة الوحيدة هي أن مراقبتك دليل على إهتمامك، فحتى الفضول نوع من الإهتمام.

تستمر العلاقة في "الحياة" رغم موتها الظاهري. تكتب لحبيبك الرسائل ويقرئها، وتعلم بقرائته للرسائل رغم أنه لن يكلف نفسه عناء الرد فتعتبر في فعل "القراءة" فعل إهتمام.
تستمر في المراقبة .. والإنتظار!
تُحيل مراقبتك وإنتظارك بينك وبين بدايات جديدة. فلا بداية إلا بعد النهاية "الواضحة". ولا نهاية "واضحة" مع فضول مهتم ومراقبة وتوقع وإنتظار.


لا تنتظر أحدًا، فلا الموتى يعودون من الموت، ولا الأحبة يعودون من حيث ذهبوا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعليقات: