الخميس، 21 يوليو 2016

هذا كل ما حدث

أبي العزيز

لم أكتب لك من قبل سوى مرة واحدة. لم أخبرك أبدا عما كتبت. كتبت لك بعد وفاة أمي. كانت رسالة تجمع كل مخاوفي وحزني. تخلصت من الرسالة بعد فترة. بعد أن نضج حزني وواجهت مخاوفي. 

لم أفكر في أن أكتب لك بعدها أبدا. لم أكن أبدا في حاجة للكتابة إليك. كيف أكتب لمن يقرأ أفكاري، ماذا أقول لمن يعلم ما أريد قبل حتى أن أريده.

ولكن الآن أكتب لك. لإن الإسبوع الماضي كان ثقيلا. وأثقل ما فيه أنك لم تكن موجودا للتأكد (كالعادة) بأنني مرتاحة ولا يعكر صفو حياتي شيء.

كنا سعداء.. هكذا أقول لكل من يسألني عما حدث. 
هل كنا نعيش واحد من أسعد أسابيعنا؟ ربما، وربما عشنا أسابيع أسعد. ولكننا كنا سعداء. 

ماذا حدث إذن؟ لماذا قرر القدر أن يحول سعادتنا لحزن؟ لماذا عبث القدر بجمعتنا واتفاقنا وقرر أن يفرقنا؟

أعلم يا أبي إنك كنت لتغضب لو عبرت عن مشاعري الحالية تجاه القدر جهرا. ولذلك لا أعبر عنها. أتجاهل غضبي وأسعى بكد للوصول للرضا بما جرت به المقادير كما علمتني. 

كنا سعداء .. ثم دق جرس الهاتف. كان رقمك ولكنه لم يكن صوتك. كان صوت عابر سبيل يبحث عن "أهل" الرجل الذي سقط لتوه دون سابق إنذار.

كنت على بعد خطوات منك. كنا أنا وأختي في إنتظارك. إنتاباني القلق بسبب تأخرك ولكنني طردت الوساوس. فطالما تأخرت ولطالما وغضبت لقلقلي.

ذهبت لأجدك غائبا عن الوعي. ما لا تعرفه يا أبي إنني قرأت كثيرا وتدربت كثيرا على إنقاذك في حال تعرضت لطارئ صحي.
قرأت عن أعراض جلطات الدماغ والأزمات القلبية والتعامل مع الكسور. قرأت كثيرا حتى أتفادى الصدمة التي شلتني حين رأيتك غائبا عن الوعي.

كنت في دنيا غير الدنيا يا بابا .. 

لم أستعد أبدا لنزيف الدماغ. لم أكن أتخيل أنه ممكنا. لم تمكنني معرفتي من حمايتك ولا إنقاذك. 

سرقك القدر مني فيما لا يزيد عن عشر دقائق.

كنا سعداء .. كنا سعداء يا أبي. 

هذا كل ما حدث. "كنا" سعداء. 

الاثنين، 13 يونيو 2016

سنتان




عزيزي،

في كل مرة أضطر لإستخدام كليشيه "كل سنة إنت طيب" تنتابني قشعريرة، لإنني أعلم إنني قد تمنيت للتو لشخص عزيز حول من الشدائد والمصائب. يهون علي أحيانًا أنني تمنيت له أن يخرج من "سنته" طيبًا. ورغم القشعريرة إلا إنني لا أتوقف عن إستخدام "كل سنة وإنت طيب" لإن سلو بلدنا كده ولإن "كل عام وأنتم بخير" ثقيلة على اللسان والأذان وأحيانًا – لإننا نعلم ما تفعله بنا الأيام -  على القلب.

عزيزي، كم عامًا حييت؟

هل نحسب الأعوام بما حدث أم نحسبها بما لم يحدث؟

ماذا يجعل السنة "سنة"؟

حينما قابلت الأستاذ للمرة الأولى لم أكن أتوقع أن يصحبني في رحلة من ظلمات "السنين" لنور الأعوام. كان العمل معه "الحدث" الذي غير مسار أيامي. كان العمل معه أشبه بالحلم، أو للدقة كان العمل معه حلمًا تحقق. وحينما تعيش الحلم لا تصبح للمنغصات قيمة تذكر. كانت فترة عملي معه "أعوام" رغم ما شابها من تفاصيل أخرى كانت لتجعل منها "سنين" عن جدارة.


ثم كان ما كان، كان يوم جمعة وكان يحمل الرقم 13. وكما كل جمعة 13 تراودني أفكار إعتبار اليوم شؤمًا في بعض الثقافات وإعتباره فئلًا حسنًا في ثقافات أخرى. كان يوم نشر مقالي الإسبوعي وككل يوم نشر كنت أنتظر رأي الأستاذ. كان يومًا "ظريفًا" أو هكذا أردته أن يكون، وكان يومًا عاديًا حتى وجدت خبر وفاته يمر أمامي. لم أصدق الخبر، إعتبرته شائعة من قلوب سوداء. حاولت الإتصال برقمه ولكنه كان مشغولًا بإستمرار. لم أصدق الخبر، وأخذت أدعو له بالصحة والعافية وأنتظر تكذيبًا للشائعة. ولكن الشائعة لم تكن شائعة، ولم يعد هناك بد من مواجهة الحقيقة. فالموت يا عزيزي، كما تعلم، هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة.


مازلت أذكر تفاصيل اليوم رغم كل ما أبذله من جهد لأنساه.

كان رحيله "سنة" لم يغيرها أحداث كانت في وجوده لتصبح "أعوامًا".

لله ما أعطى ولله ما أخذ.


الجمعة، 6 مايو 2016

سقف التوقعات وأرض الواقع



البدايات  - أي بدايات – دائمًا مفعمة بالأمل. ينبع أمل البدايات من خليط "خطر" من الحماس والتوقعات. في البدايات، كل البدايات، كل شيء ممكن مادام توافرت الإرادة لتحقيقه. لكن البدايات ليست إلا بدايات، تعد بتحقيق الأحلام، فتارة تتحقق وتارة تتحول أحلامنا كوابيس.

أحلام الحب التي تتحول لكوابيس، كغيرها من الأحلام، تترك في النفس غصة. ولإن "اللي يتلسع من الشوربة بينفخ في الزبادي" نحاول تعديل أحلامنا مع كل فرصة حب جديدة. ومع كل فشل جديد يظهر "مدعي الحكمة" بتعليقهم الأزلي "توقعاتك غير واقعية، يجب عليك تقليلها". إتباع هذه النصيحة لن يمنع تكرار الفشل، بل على العكس أحيانًا تتسبب هذه النصيحة في المزيد من الفشل والإحباط.

فالواقع – إن شئنا أو أبينا – يأتي في أغلبه مطابقًا لما نتوقعه. فنحن نحصل على ما نظن أننا نستحقه، لإننا نعمل بكد للوصول له. فإذا كانت توقعاتنا أننا لن نستطيع أن نحصل على ما نظن أننا نستحق فالنتيجة دائما هي إننا لن نحصل عليه. فالتوقعات هي الواقع مادامت "رشيدة" أي في إطار "الممكن العمل على تحقيقه".

ما هي التوقعات الرشيدة في العلاقات العاطفية؟

تأتي الإجابة على هذا السؤال من موقع سايكولوجي توداي. هناك ثمان توقعات أساسية يجب على كل علاقة عاطفية توفيرها.

1-    العاطفة:
التعبير عن العواطف سواء بالقول أو الفعل. إن شريكك يوصلك بأي (وكل) طريقة إنك "عاجبه". ده توقع مشروع ورشيد.

2-    التعاطف:
من حقك التوقع أن شريكك يكون مكان للتخفيف عن شعورك بالألم. ليس من الضروري إن شريكك يشاركك التألم، ولكن المهم إنه يتفهم إنك متألم ويدعمك.


3-    الإحترام:
الإهانة خط أحمر. العلاقة التي لا توفر الإحترام علاقة فاشلة.


4-    الأخذ بعين الإعتبار:
من حقك توقع أن شريكك يفكر في تبعات تصرفاته عليك.


5-    الوقت:
اللي مش عارف يلاقي وقت لك، بكل تأكيد إنت مش في حياته أصلا!


6-    الإهتمام:
من حقك توقع إن شريكك يهتم برأيك وأنشطتك وتفاصيل يومك.


7-    الحميمية:
والحميمية ليست فقط الجنس. الحميمية هي أن يسمح لك شريكك بأن تعرف نقاط ضعفه وأن تسمح له بالتعرف على نقاط ضعفك.


8-    الكرم:
والكرم هنا ليس الكرم المادي، ولكنه كرم المعاملة الجيدة. ألا يضن عليك شريكك بما تحتاجه منه.


تبدو تلك التوقعات كبديهيات يجب أن تقوم عليها كل العلاقات ولكن تلك ليست الحال في كل وقت. أحيانًا تقوم العلاقات على توقعات أقل، وأحيانًا تفشل العلاقات بسبب الإختلاف في تعريف تلك التوقعات رغم الإتفاق على بديهيتها. فنجاح أو فشل العلاقة لا يعتمد فقط على التوقعات الفردية لكل شريك ولكن الأهم على تبادل تلبية تلك التوقعات.


وظيفة التوقعات الفردية هي منع "إنبطاق سقف التوقعات على أرض الواقع" والوصول للنقطة المعروفة ب "رضينا بالهم والهم مش راضي بينا". لإن الهم، هم مهما إسترضيته لن يرضى.

الاثنين، 2 مايو 2016

اللمبي!




في تقليد سنوي بدأ من حوالي المئة عام، يحتفل المواطن المصري من سكان مدن القناة (خاصة بورسعيد) بشم النسيم بحرق دمية "اللمبي". هذا الطقس الإحتفالي مثله مثل اليوم المحتفى به في الدلالات التاريخية.

تبدأ قصة حرق "اللمبي" مع محمد علي باشا. عُرض على محمد علي باشا مشروع طموح سيغير شكل التجارة العالمية ولكن محمد علي باشا رفض المشروع، ويقال أنه قال في أسباب رفضه "لا أريد بسفورًا أخر في مصر". كان المشروع هو "قناة السويس". وكان رفض محمد علي باشا للمشروع في وقتها قرارًا حكيمًا. كان الباشا مشغولًا "برستأة" حكمه في مصر التي كانت جزءً من الإمبراطورية العثمانية. كان الباشا يناوش العثمانيين تارة ويهادنهم تارة. وكان يتحالف مع أعدائهم أحيانًا كما كان ذراعهم التي تطول أعداءً أخرين في أوقات أخرى. كان مشروع القناة مشروعًا طموحًا "لوجع الدماغ". كانت مصر طرفًا في صراع قائم بين قوى العالم في وقتها، وكانت القناة ستجعل مصر على رأس أجندة الصراع وليست على هامشه.


ولكن ورثة محمد علي لم يكونوا بحكمته، أو ربما لم يجدوا غضاضة في التحرك من هامش الصراع العالمي إلى قلبه. منح سعيد باشا حق حفر القناة لشركة فرنسية مما أثار حفيظة الإنجليز. شكل حفر القناة تهديدًا مباشرًا للمصالح الإنجليزية، فحاول الإنجليز عرقلة المشروع ثم السيطرة عليه، تارة بشراء حصة مصر وتارة بالتدخل العسكري بحجة دعم الخديوي توفيق في مواجهة تمرد أحمد عرابي.  ولم يهدأ لهم بال حتى تم توقيع إتفاق القسطنطينية الذي يقر بأن القناة مجرى ملاحي محايد.

لكن تواجد الإنجليز لحماية القناة ومن ثم مصالحهم لم ينهي صراع القوى العالمية ولم يخرج مصر من قلب هذا الصراع. ومع إندلاع شرارة الحرب العالمية الأولى أصبحت مصر"العثمانية" تحت حماية البريطانية.
وفي 1915 تحركت قوة ألمانية عثمانية مشتركة للسيطرة على شبه جزيرة سيناء وقناة السويس.

وهنا يظهر "اللمبي" للأضواء.



"اللمبي" هو الفيلد مارشال "إدموند ألنبي"( وكما هو واضح وقع إسمه ضحية لمقص "الفوناتيكس"). قاد الفيلد مارشال ألنبي قوات التجريدة المصرية في حملة سيناء وفلسطين في الحرب العالمية الأولى. دافع ألنبي عن سيناء والقناة ضد الهجوم العثماني ونظم القوات للإستيلاء على غزة وحيفا وبئر سبع والقدس ووادي الأردن .. إلخ من وقائع المسرح العربي في الحرب العالمية الأولى.

حارب ألنبي وإنتصر. ويمكننا إعتباره أحد مهندسي الشرق الأوسط الذي تربينا على "حدوده". ويحتفى به وببطولاته في دول جارة تدين لجهوده بوجودها. لكن بطولاته هذه لم تشفع له لدى سكان المناطق التي استبسل هو وجنوده للدفاع عنها!

أجبر ألنبي سكان القناة على مساعدته في حربه، التي يبدو أنهم لم يكونوا مكترثين بها كثيرًا، فأضمروا له الضغينة. ثم جاء عام 1919 بحراكه الوطني وكان الموقف المعروف للقوات الإنجليزية ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بتعين ألنبي مندوبًا ساميًا لمصر.

تحول ألنبي من بطل لكنية مصرية (تحول الألف واللام في بداية إسمه إلى ألف ولام التعريف بنفس مقص الفوناتيكس الذي حول النون ميمًا) ترمز لكل ما هو مكروه يتم حرقها في إحتفال سنوي يثبت أن سكان هذه الأرض أقدم من كل "لمبي" مر عليها.



كل سنة وإنتم مصريين!


الجمعة، 15 أبريل 2016

أن تكون ميرديث جراي!


"عايزة تطلعي إيه لما تكبري يا شيماء؟"

تطاردنا هذه النوعية من الأسئلة صغارًا. يداعبنا الكبار محاولين أحيانًا تحفيزنا على التفكير في المستقبل وأحيانًا أُخر يجدون في السؤال طريقة لتوصيل معلومات عن المهن المختلفة. ولكنه في أغلب الوقت سؤال لتمضية الوقت وطريقة غير ظريفة "للإستظراف".

في كل مرة كانت إجابتي تختلف، مررت بفترة "عايزة أبقى مدرسة"، ثم إنتقلت ل"عايزة أبقى ضابط/ طيار .. إلخ". ومررت بفترة "عايزة أبقى دكتورة" ولكنها لم تكن طويلة. ومنها إنتقلت "لعايزة أبقى سفيرة". وفي جلسة عائلية ذُكر الكاتب محمد حسنين هيكل، وعقب أحد الجلوس بأن مقاله الأسبوعي يوم الجمعة كان بمثابة وجبة ينتظرها الجميع ليعلموا ماذا حدث في العالم وما يتنظرهم في الوطن. قررت بعد هذه الجلسة "إني لازم أبقى هيكل". ولكنني لم أصبح أيًا من الإجابات التي عشت معها سنوات طويلة. درست المحاسبة، وأقنعتني صديقة بإنني يجب ألا أنخرط في الدبلوماسية حتى لا أصبح جزءًا من "النظام".

ظل "هيكل" حلم، لكن أنا فين وهو فين. ولم أتوقف عن حلم "لما أكبر عايزة أبقى هيكل" إلا عندما وقعت في حب مسلسل "جرايز أناتومي" وأصبح حلمي الجديد "عايزة لما أكبر أبقى شوندا!"
أول ما يخطر بالبال ردًا على هذا الحلم: "بس إنت كبيرة يا شيماء". ولكن شيماء لا يهمها كثيرًا إذا ما كانت "كبيرة" بالفعل ولا إنه من المستحيل أن نكون غير أنفسنا. شيماء فقط تريد أن تستطيع يومًا ما أن تخلق شخصيات من العدم وتحركها وتشذبها وتختبرها بالنعم تارة والإبتلاء تارة. شيماء تريد أن تخلق التجربة وتنظر كيف يخرج منها شخوصها في كل مرة كما لو كانت تشهد ميلادهم مرة بعد مرة.
شيماء تريد أن تفعل ما تفعله شوندا – رغم قسوته – شيماء تريد أن تنقل الحكمة الكامنة في الحدوتة العبثية.

أشهر حواديت شوندا العبثية هي حدوتة ميريدث جراي. تبدأها شوندا برجل، لا نعرفه ولا تعرفه ميريدث. رجل عاري على أرضية منزل يبدو مهجورًا. نكتشف مع الوقت أن ميريدث "العابثة"، سوداوية ومعقدة  Dark & twisty . قصة ميريدث هي قصة صراع تقليدي وأزلي مع ظل الأب (أو في حالتها ظل الأم).

تخبرنا شوندا في قصة ميريدث عن صراع المرأة في بدايات القرن الواحد وعشرين مع ميراثها من أمها بنت حركة التحرر في السبعينات. نكتشف أن ميرديث معقدة وسوداوية بسبب هذا الميراث. تطاردها وصية أمها "كوني غير إعتيادية يا ميرديث" Be Extra-ordinary Meredith ، كما يطاردها شبح الموت بالمرض الذي قتل أمها. تحاول ميريدث أن تنفذ وصية أمها، ف"بتطلع دكتورة زي ماما" ولكن أمها لم تكن أية طبيبة، أمها هي أليس جراي. تحمل ميريدث إسمها وبعض من ملامحها ونشاهد كيف تقاتل ظل الأم في المهنة. تحاول ميرديث أن تكون "غير إعتيادية"، تنافس أقرانها للتفوق. وكانت حياة ميرديث لتكون أقل سوداوية وتعقيدًا لو كانت المهنة هي المجال الوحيد الذي عليها أن تقتل شبح أمها فيه. ولكن كان عليها أيضًا أن تقتل شبح أمها في حياتها الشخصية. فأمها مرت بتجارب شخصية فاشلة، زيجة فاشلة وزوج هارب وإبنة تربيها وحيدة. تقع أم ميريدث في حب زميل، ولكن زميلها متزوج. يختار زميلها زوجته وتقرر أم ميريدث محاولة الإنتحار كصرخة أخيرة. تطارد ميريدث أشباح أبيها الهارب ودماء أمها على أرضية المطبخ. فتتعامل مع الحب بعبثية، تقفز من رجل مجهول لرجل مجهول وتكتم خوفها بجرعات التاكيلا.

ولكن أحد "المجاهيل" يصبح حبها الأوحد.  ويصبح عليها أن تحارب به وفيه ظلال فشل أمها العاطفي. تكون أسرة، تنجب الأطفال، تنعم بالإستقرار الذي لم تجربه أمها يومًا.

هل قتلت ميريدث شبح الأم أم أصبحت نسخة منقحة من هذا الشبح؟

هل يمكننا الهروب من مصير أباؤنا أم أن المصير ميراث ثابت، يتنكر ولا يتغير؟

لا يمكنني أن أجيب أيًا من تلك الأسئلة يقينًا ولكن يمكنني أن أجيب بأنني يقينًا لن أصبح هيكل أبدًا كما لن يمكنني أبدًا أن "أكبر وأبقى شوندا" ولكن ربما أنا – كما كثيرات غيري – لست إلا ميرديث جراي!


الاثنين، 28 ديسمبر 2015

الوجه الآخر للضفدع


في المقال السابق "غرام وضفادع"،  إنتهينا إلى إستنتاج مفاده أن الضفادع لا تتحول لأمراء. وأن الحب، رغم صدقه وإلحاحه لا يستطيع أن يغير من أمر شخص شيئًا إلا اذا أراد هذا الشخص التغيير. 

فسر البعض هذا الإستنتاج على إنه دعوة لعدم خوض التجربة. في حين أن هذا الإستنتاج دعوة صريحة للتجربة. فالتجربة، أي تجربة، تاج على رؤوس المجربين. فالتجربة طريق مؤكد للفشل كما إنها الطريق الأوحد للنجاح. 

المشكلة ليست في التجارب ولا تكرارها. ولا المشكلة في الضفدع. المشكلة في الأميرة التي تصر على تقبيل الضفادع حتى تتحول لأمراء. 
بعبارة أوضح، المشكلة في أن يهدف طرف من أطراف العلاقة لتغيير الطرف الأخر ليلائم صورة خياله عن الشريك. 

فلنفترض مثلا أنك تحتاج لشراء قميص جديد. تريد هذا القميص بشكل معين ولون محدد. لكن في أثناء بحثك يلفت نظرك قميص أخر. ليس فيه من شكل ما تريد الكثير. ورغم ذلك تصر على شرائه. ثم تذهب به لمن يصبغه ويعدله. لن تأتي النتيجة أبدًا كما تريد. بل قد يفسد القميص تمامًا ويصبح قميصًا لا يشبه ما أردت ولا ما إشتريت. 

القميص هو شريكك في العلاقة. حاله حين بدأت العلاقة لم تكن سرًا. ومع ذلك قررت لأسبابك أن تقبله. محاولات إعادة إنتاجه ليلائم الصورة المثالية التي تخيلت هي المشكلة وليست تلك الحال التي قبلتها.

القميص الذي إشتريت هو ضفدعك والقميص الذي أردت هو الأمير. والمشكلة الحقيقية والكلاسيكية في الكثير من العلاقات هي إننا نحب "إحتمال" الأمير في الضفدع. لا نحب الضفدع، نقبله على أمل أن يتحول إلى أمير. وحين نفشل في تحويله تفشل العلاقة. ونلوم الضفدع على كونه ضفدع.

أن تحب هو أن تقبل الضفدع كما هو بلا توقع أن يتحول إلى أمير. 

أن نحب هو أن نتعايش مع عيوب شركائنا قبل أن نستمتع بمميزاتهم.

أن تحب هو ألا تخطط لتغيير شريكك بما لا يتوافق مع خططه لتغيير نفسه. 

أن تحب هو أن تُقّبل الضفدع ويظل ضفدعًا ولا يغير هذا من أمرك أو أمره أو أمر العلاقة شيئًا

أحبوا ضفادعكم .. أو إبحثوا عن الأمراء بعيدًا عن المستنقعات!

الأربعاء، 3 يونيو 2015

رسالة حب

عزيزي ..

كنت قد كتبت إليك هذا الصباح بطلب ثم عدلت عن إرساله. في سابقة هي الأولى منذ رسالتي الأولى عن شهرزاد وشهريار والحق في الفشل.


ما دعاني لعدم إرسال طلبي هو سلسلة أخرى من الأفكار الملحة. فكرت في وقع الطلب عليك، ماذا لو قبلت الطلب؟ ماذا لو رفضته؟ والأهم ماذا لو تجاهلته؟


فكرت في لماذا خسرتك. وهل إفتراض "الخسارة" سليم. هل كسبتك يومًا، أو كل ما كان سراب.

لأول مرة أتخلص من إحساسي الدائم بإنني "أخونك" منذ إفترقنا. ضبط نفسي متلبسة بمشاعر "حسرة" لا تخصك.

فكرت أن أكتب لك عن الخيانة، وفكرت أن أكتب لك عن الحسرة. فكرت أن أكتب لك عن هذه المشاعر من "عدم المشاعر" ولكن فكرت أنه ربما لا يكون مناسبًا أن أكتب لك عن غيرك. فماذا لو أغضبتك الفكرة؟ ماذا لو أثارت سخريتك؟ والأهم ماذا لو لم تهتم؟


قادتني سلسلة الأفكار الملحة لحقيقة يعرفها كلانا، أنا أحبك!


والحب في الجملة السابقة، كما تعلم وأعلم، حب أناني. حب الذات للذات.


أحب الحالة الذهنية التي يدفعني إليها مزيج الأمل والألم الناتج عن حضورك في الغياب أو غيابك في الحضور.

يدخلني غيابك في غيابات الألم. تفقد الحياة معناها فجأة. يصبح العيش سلسلة مكررة من مشاهد مملة. تصبح العبارات قصيرة، حادة، غاضبة.

أما حضورك فيسكن أوجاع العالم. أتحول إلى كائن من أولئك الكائنات الائي يؤمن بالمعجزات "الكبيرة" وإنتصار الخير وحكايات الجنيات. يسكرني حضورك فلا أهتم للعالم. ولا يصبح للكلام، ولا الكتابة، مكان.

لا ماضٍ قبلك يستحق الذكر، ولا مستقبل دونك يستحق الإهتمام.

فقط حين تصبح "متاحًا" بلا حضور طاغٍ ولا بعد موجع يصبح بإمكاني "البوح" والتفكير والحياة.

تثير حقيقة "أنانية الحب" وذاتيته أفكار عن مفهوم الحب ذاته. هل نحب أنفسنا فيمن نحب، أم نحب ما يكتشفه فينا الأحبة.
فالناس، يا عزيزي، شبابيك. والأحبة "بلكونات" واسعة مفتوحة على الروح. فهل فعلًا نحب "البلكونة" أم نقع في حب المشهد؟

ما الحب؟ السؤال الذي حير كثيرين قبلي وسيحير الكثيرين بعدي.


فالحياة يا عزيزي رحلة حيرة، يحيرني فيها أكثر ما يحيرني أصحاب "اليقين".


تغيرت فكرتي كثيرًا عن الحب والعلاقات وربما عن الحياة بعد إفتراقنا. أو ربما لم تتغير لأننا لم نفترق!

مازلت أكتب ومازلت تقرأ. والكتابة، كما كتبت لك مرارًا، فعل حب. وإكتشفت مؤخرًا أن القراءة فعل إهتمام.
لم نفترق .. مادمت أكتب ومادمت تقرأ.

كنت قد كتبت لك هذا الصباح بطلب .. لكن شغلتني حيرتي عن إرساله.



===

نشرت بدوت مصر بتاريخ 14 سبتمبر 2014