الأحد، 29 مارس 2015

الصراحة راحة!


في مشهد كلاسيكي يجلس شاب وفتاة في منتصف العمر ليتجاذبا أطراف الحديث و"رشفات العصير". لقاء تعارف كلاسيكي يحتوي على الكثير من الأسئلة الكلاسيكية عن العمل والدراسة والأسرة والتوجهات السياسية أحيانًا. ومن ضمن تلك الأسئلة الكلاسيكية سؤال يوجهه الشاب للفتاة عن "تاريخها" العاطفي وسؤال أكثر مباشرة عن "عدم زواجها حتى تلك اللحظة".

مشكلة بعض الأسئلة المباشرة، أن مباشرتها تستعدي الإجابات المنقوصة. فالفتاة في هذه الجلسة أمامها خيران لإجابة سؤال هذا "الغريب". إما أن "تحكي" له تاريخها مع العلاقات والعواطف حتى وصلت إلى لقائهما بلا زواج أو أن تجيبه بالإجابة النموذجية التي أوصاها بها كل من يعرفها من أهل وأصدقاء أو حتى مواقع على شكبة الإنترنت. الإجابة النموذجية لأسئلة الشاب الكلاسيكية "الذكية" هي إنكار التاريخ العاطفي ما لم يكن موثقًا بإرتباط رسمي و"ما حصلش نصيب" تكفي كإجابة منطقية لعدم الزواج.

تضمن هذه الإجابة النموذجية فرصة لقاء أخر للفتاة مع الشاب صاحب السؤال. وفي أحيان كثيرة قد تضمن لها فستان أبيض وحفل زفاف وبيت وأسرة و"نهاية سعيدة".
فالرجال، سواء في هذا الجزء من العالم أو غيره، او على الأقل الكثير منهم يفضلون إمرأة بلا تاريخ واضح. فحتى وإن قبل الرجل ضمنًا أن يكون لإمرأته تاريخ فلن يتحمل معرفة تفاصيله. تصبح تفاصيل التاريخ لعنة تطارد العلاقة حتى تنتهي في الأغلب وتصبح جزء جديد من تاريخ المرأة الذي يجب أن يختفي وجزء من تاريخ الرجل الذي يمكنه التباهي به.

الفكرة في الإجابة النموذجية التي ستزيد من فرص الفتاة في "النهاية السعيدة" أنها إجابة كاذبة. فالكذب هو طمس الحقيقة، وفي حالتنا هذه تُطمس الحقيقة بالحذف. تحذف الفتاة التفاصيل التي قد تتسبب في المشكلات.
قد يرى البعض في نبل الغاية سببًا كافيًا لتبرير "الكذب". لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا هو، هل "النهاية السعيدة" هدف نبيل؟ والأهم، هل هذه النهاية ،"نهاية سعيدة" بالفعل؟ وهل علاقة قائمة على "الحذف" والطمس علاقة "ناجحة"؟

الأسئلة السابقة قد تبدو إستنكارية ولكنها في الحقيقة أسئلة تتغير إجابتها بتغير الموقف. فالنهاية السعيدة، أو الزواج، في نظر الكثيرين والكثيرات هدف نبيل. هم يريدون الزواج ولديهم أسبابهم المنطقية لوضع هدف الزواج على قائمة الأولويات. والغاية تبرر الوسيلة! في حالتهم الغاية هي الزواج والوسيلة هي إخفاء التفاصيل. وحجتهم أن التفاصيل ماضٍ، ولا نفع للماضي في الحاضر أو المستقبل.

إخفاء التفاصيل في هذه الحالة هو الحل الأمثل، لإنه في إخفائها تحرر من أسر الماضي بتجاربه السيئة. وبإخفائها تطوى صفحة وتبدأ صفحة جديدة للحياة الجديدة والفرصة الجديدة. وهذه نهاية سعيدة بالفعل! شاب وفتاة لا يهمهما من إلتقيا قبل أن يلتقيا، المهم أنهما إلتقيا وحياتهما تبدأ من هذه اللحظة وتستمر إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

لكن ماذا لو كانت "النهاية السعيدة" المتوقعة تحتوى سطرًا عن أمان المشاركة؟ ماذا لو كانت السعادة تكمن في التفاصيل؟ ماذا لو كان الماضي جزء من تكوين الشخصية؟ ماذا لو كانت الخبرات السابقة محددة لتصرفاتنا المستقبلية؟ ماذا لو تسبب الحذف والطمس في أن يغلب ظن عدم معرفتك بالشريك على ظن معرفتك به؟!

وهنا يأتي الخيار الثالث، والأكثر حكمة، لإجابة سؤال التاريخ العاطفي، وهو إتباع سياسة عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى. سيضمن لك هذا الخيار الحد الأدنى من أمان المشاركة تبعًا لشكل ومسار العلاقة. كما سيضمن لك عدم إثارة حفيظة الشريك بتفاصيل لا تهم في الحاضر أو المستقبل. سيوفر الحد الأدنى من الصدق كما سيوفر الحد الأدنى من الكذب. سيضمن الحد الأدنى من الثقة كما سيضمن الحد الأدنى من الشك.
سيضمن خيار عدم الإفصاح إلا للضرورة القصوى الحد الأدنى من العلاقة السعيدة الناجحة. في حين تضمن الصراحة الحد الأقصى من كل شئ كما أنها تخاطر بالحد الأقصى من كل شئ .. فليست كل الصراحة راحة!


الثلاثاء، 3 مارس 2015

التحليل الإستراتيجي


في مشهد مكرر نشاهد شخص، في الأغلب أنثى حائرة تجلس إلى صديق أو صديقة أو ربما مجموعة من الصديقات تطلب النصيحة في موضوعٍ هام لا يحتمل التأجيل. ربما يكون الموضوع رسالة غامضة من ذلك الزميل الذي بادلها الإبتسامات طويلًا وفسرت إحدى صديقاتها تلك الإبتسامات من قبل على إنها إعجاب. أو ربما يكون الموضوع "زن" الحبيب على "تطوير" العلاقة وهل الواجب إلتزام خطة "سيبيه يمسكها يا فوزية" أم أنه من الأحوط اللجوء للتكتيك الأصلي "لو راجل قرب منكم صوتوا ولموا عليه الدنيا يا بنات".

كثيرًا ما يبدأ الحب بالشك. ويأتي الشك بالأسئلة المتتابعة، فيتحول الطرفان لأجهزة مخابرات صغيرة تجمع المعلومات وتحلل الإشارات للإجابة عليها. فالإبتسامة ربما إعجاب، وربما تملق، وربما "جبر خواطر". في حين إن الإبتسامة ليست إلا إبتسامة! لكنها للطرف المهتم إشارة في سياق ومن الواجب تفسيرها. وكذلك الصد، وهو في الأغلب رفض واضح لكن يُفسره هوى البعض بتكتيك "الثقل صنعة" تارة و كروت الألعاب النفسية تارة.

وعلى قدر الإنجذاب زادت الحاجة للبحث في تفسير الهمسة ومعنى اللمسة ودلالة الإهتمام المتخفي في عدم الإهتمام. ولإن البشر لا يولدون بقارئ للأفكار ولم يُخترع، حتى اللحظة، كاشف للنوايا. ولإن العرافين كاذبين ولو صدفوا تبقى الخبرة المتراكمة هي الطريق الوحيد من الشك لليقين.
إلا أن للخبرة المتراكمة رسالة ثابتة تتكرر بتكرر مشهد الأنثى الحائرة، الشخص، الطالبة للنصيحة. الشك في الحب "يقين".

إن شككت في حب شخص فهو يقينًا* لا يحبك.

إن شككت في إهتمام شخص فهو يقينًا* لا يهتم.

إن شككت في سياق علاقة فهي يقينًا* ما تظنه عنها.

فكما يبدأ الحب بالشك ينتهي، يقينًا، بالشك!

===

* عدا السهو والخطأ 

البحث عن نقطة للبداية


لم يعد الناس يموتون في هذا الزمان! في زمان سابق، كنا ندفن موتانا وننعيهم ونحزن عليهم ثم تأخذنا دوامات الحياة. منا من ينسى ومنا من يبذل مجهودًا حتى لا تُمحى ذكرى فقيده من ذاكرته.
في زماننا هذا ندفن أمواتنا لتلاحقنا حساباتهم على شبكات التواصل الإجتماعي، وأرقام هواتفهم التي لن تُجيب مهما كررنا الإتصال. في هذا الزمان لا يتحول أمواتنا إلى ذكرى ويبقى علينا التعامل مع وجودهم "المجمد" بصفة يومية.

وكما لا يموت الموتى في هذا الزمان، لا تنتهي العلاقات في هذا الزمان (إلا نادرًا). ففي زمان يسهل "الوصال" ويجعله على بعد كبسة زر يصبح الفراق "شبه" مستحيل.
في زمان سابق، إحتاج الوصال مجهودًا. كأن تذهب للقاء حبيبك مهما طالت المسافة. أو كأن تكتب رسائل طويلة وترسلها بالبريد. أو أن تفكر في الحيلة بعد الحيلة حتى تسرق من الزمان "لحظة وصال".
في زماننا هذا يصبح وصال الحبيب متاحًا وقتما شئت وأينما كنت. لم يعد للمسافات معنى، ولم يعد لمجهود الوصال ضرورة. أصبح الحبيب متاحًا على مدار الساعة، وأصبح فراق الأحبة تحدي حقيقي لا يستطيع الجميع تخطيه.

فالتكنولوجيا التي وفرت سهولة التواصل، وفرت أيضًا سبل المراقبة على البعد. تُمكنك التكنولوجيا من متابعة "مزاج" الحبيب عبر متابعة حسابه على تويتر، والأماكن التي يذهب إليها عن طريق متابعة حسابه على إنستاجرام مثلًا، كما تمكنك التكنولوجيا من معرفة أصدقاء حبيبك الجدد والأشياء التي أثارت إعجابه بمتابعة حسابه على الفيسبوك. وهكذا مع كل نافذة تتيحها التكنولوجيا لتسهيل التواصل تسهل أيضًا المراقبة عن بعد. ورغم كل المحاولات للتأمين ضد إختراق الخصوصية لن يوجد أبدًا نظام تأمين كامل. فمادامت المعلومة قد تم مشاركتها على الإنترنت فيمكن لأي باحث مثابر العثور عليها في يوم ما.
ستمكنك التكنولوجيا من معرفة أخبار حبيبك السابق دون الحاجة لسؤاله، كما تتيح لك أن تتصفح أمال وألام أمواتك بعد موتهم. لكن في الحالتين ستعطلك التكنولوجيا عن التعافي من "فقدك".
فإتاحة الأحبة بعد الفراق يمنعك عن الإعتراف بأنه لا أمل في عودتهم. تظن إنك تدرك هذا، وقد تبرر مراقبتك عن بعد بأنها من باب الفضول. لكن الحقيقة الوحيدة هي أن مراقبتك دليل على إهتمامك، فحتى الفضول نوع من الإهتمام.

تستمر العلاقة في "الحياة" رغم موتها الظاهري. تكتب لحبيبك الرسائل ويقرئها، وتعلم بقرائته للرسائل رغم أنه لن يكلف نفسه عناء الرد فتعتبر في فعل "القراءة" فعل إهتمام.
تستمر في المراقبة .. والإنتظار!
تُحيل مراقبتك وإنتظارك بينك وبين بدايات جديدة. فلا بداية إلا بعد النهاية "الواضحة". ولا نهاية "واضحة" مع فضول مهتم ومراقبة وتوقع وإنتظار.


لا تنتظر أحدًا، فلا الموتى يعودون من الموت، ولا الأحبة يعودون من حيث ذهبوا.