‏إظهار الرسائل ذات التسميات التعلق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التعلق. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 نوفمبر 2021

غرفة أحبائي السابقين

 

عزيزي

تطاردني الإقتباسات. أصبح الكل حكيمًا فجأة. تنسب جمل قصيرة بليغة لمشاهير وتنتشر على مواقع التواصل الإجتماعي إنتشار النار في الهشيم. لا أحد يعلم يقينًا إذا ما كان القول المنسوب لقائله حقيقيًا. لا أحد يهتم، لا بحقيقية المقولة ولا حتى سياقها. لا أحد يهتم في هذا السباق الخفي من أجل الوصول لخلاصة الحكمة الضالة بحقيقة العبارات ولا سياقها ولا حتى وجاهتها. كل ما يهم هو رنين العبارة ودوي إسم المنسوبة إليه. الرنين والدوي هم ضالة الباحث عن الحكمة الضالة هذه الأيام.

أبحث أنا أيضًا عن الحكمة كغيري، لكني لا أجدها في الإقتباسات. تثير الإقتباسات حيرتي وتزيد أسئلتي سؤالًا مهمًا عن "الأجندة الخفية" لنشر مثل هذه الإقتباسات والسعي العلني للبحث عن ضالة كل مؤمن.

مثلًا، نشرت إحداهن إقتباسًا، كان الإقتباس سؤالًا أرادته صاحبته بلاغيًا. "ماذا لو كنت سكرانة وحبست في غرفة مع كل أحبائي السابقين، أيهم سأختار؟".

تحمل مثل هذه الإقتباسات رسائل خفية، ربما أرادت صاحبة الإقتباس أن تخبر حبيبًا ما أنه إختيارها، ربما أرادت أن تخبر آخر أنه لم يكن أبدًا إلا واحدًا من كثيرين. وربما أرادت أن تعيد صياغة حكمة إحسان عبد القدوس الخالدة "أن حبك الأول هو حبك الأخير". لن يمكننا أبدًا معرفة "الأجندة الخفية" لناشر الإقتباس ولا يهمنا أبدًا أن نعلم. كل ما يهم هو ما قد يتركه هذا الإقتباس العابر من أثر في نفوسنا ومن ثم على حيواتنا.

هل تظنني سأختارك؟

تطاردني الصورة: أنا بنصف وعي، في غرفة مغلقة بها كل رجالي. من تراني سأختار؟

تزعجني الصورة، لا يزعجني وعيي الغائب ولا صف رجالي الطويل – وتاريخ وجع القلب – قدر ما يزعجني أنني لا أتذكر أغلبهم. كيف لنا أن ننسى من أحببنا يومًا؟!

هل النسيان دليل شفاء القلب المجروح أم أن النسيان دليل على زيف الجرح؟

يزعجني النسيان وتزعجني إجابتي على السؤال. ففي كل مرة أختارك. في غرفة مغلقة بها صف طويل من الحكايات أختارك. أختارك بوعي "يقظ"،  وأختارك بوعي "سكران". يزعجني إختياري
لك قدر ما يزعجني إقتباس آخر يطاردني.

"أنت تستحقين أن ينظر إليك أحدهم وكأنك أعظم إنتصاراته"

لم أكن أبدًا أعظم إنتصاراتك. ولا يجب أبدًا أن أكون. لا يجب أبدًا أن يكون شخصًا ما إنتصارًا لشخص. يزعجني سخف الإقتباس قدر ما يزعجني أثره في نفسي. فرغم "وعيي" بسخفه إلا أن جزءً مني يريد لي أن أكون أعظم إنتصاراتك. جزءً مني يريد لي أن أكون إختيارك سواء في الوعي أو اللاوعي.

هل إخترتني أبدًا؟

يزعجني السؤال فيزعجني إختياري لك، قدر ما تزعجني صورة – ربما من ماض أو حاضر أو مستقبل – لا تظهر فيها سوا بشبح. ويتصدرها غيرك. 

 فترتل فيروز سفر الإخلاص وتزعجني: "لو جيت نهار ع بيتي لقيت .. إنك حبيبي بغيابك جيت .. بتشوفن ما مرقوا إلا إيديك على هالبيت .. كأنك حبيبي أنت وعينيك هلأ فليت"

يزجعني الإقتباس .. وتعجزني الحكمة.

عزيزي .. هل إخترتك أبدًا؟





الأربعاء، 18 فبراير 2015

أنا "أدبدب" إذن أنا موجود!


أصل الحكاية أن الحاجة للإرتباط غريزة تولد مع الإنسان. يصرخ الطفل مع أول لحظاته خارج رحم أمه طالبًا الرعاية. تقربه الأم إليها فيهدأ، ثم توفر له إحتياجاته فتنشأ بينهما رابطة. يتعلق الطفل بأمه. يصرخ فترضعه. يصرخ فتهدهده. يصرخ فتلبي أو .. لا تلبي.
ما بين التلبية وعدم التلبية يتحدد نمط علاقة الطفل مع العالم*.
حين تلبي الأم النداء تنشأ رابطة آمنة مع الطفل. يثق الطفل في ردود أفعالها ويتوقعها. ويستخدم أمان هذه العلاقة كقاعدة لإستكشاف العالم من حوله. لكن حين تفشل الأم/ الراعي (عن عمد أو بسبب الظروف القسرية) في تلبية نداءه سواء بالتجاهل الكامل أو بتذبذب رد الفعل تتحول رابطة تعلق الطفل بها لرابطة غير آمنة.

 نتيجة لذلك يصبح الطفل أكثر توجسًا، وقليل الثقة بالنفس، ويحكم الخوف من المجهول حياته. وتظهر مشاعر عدم الأمان تلك في تصرفاته، فهو غاضب دائما، يبكي ولا يستجيب لمحاولات الأم لتهدئته، ويحاول دائمًا أن يكون في موقف المُسيطر على مجريات الأمور لإنه لا يثق بمن حوله.
تشبه رابطة تعلق الطفل بأمه روابط التعلق في العلاقات العاطفية**. فكلاهما غريزي. وكلاهما يلعب دور قاعدة الأمان لإستكشاف العالم. وكلاهما يتسبب في ال "Primal Panic"*** أو الهلع البدائي المتمثل في التوتر والألم ومحاولات لفت الإنتباه بكافة الصور.
الطفل "يُدبدب" على الأرض محاولًا لفت نظر أمه. مرحلة مابعد "الدبدبة" هي اليأس. واليأس لا يؤدي إلى خفوت الألم. بل لترسيخه.
يمكن تتبع سلوك "الدبدبة" في علاقات البالغين. مثلًا، قد يؤدي إختفاء الحبيب لساعات بلا تفسير مقنع للطرف الأخر لسيل من الغضب والإلحاح والإستعطاف والصراخ والمبالغة في تقدير سبب الإختفاء. 

في الأغلب "الدبدبة" قد تكون ميراث طفولة، أو ميراث علاقة سلبية سابقة. وفي بعض الأحيان "الدبدبة" إشارة على فشل العلاقة في توفير الحد الأدنى من توقعات الطرف "المدبدب".

لكن في كل الأحوال، للأسف، "الدبدبة" تقتل الحب. 

الأصل في روابط التعلق هو التعلق الآمن. لا يحتاج الطفل للوصول لمرحلة "الدبدبة" للفت نظر أمه مادام متأكدًا إنها موجودة. كما لا يحتاج الحبيب للوصول لمرحلة "الدبدبة" لتحقيق التواصل المنشود. الوصول بالعلاقة للدبدبة دليل على إن هناك طرف محبط. طرف أصبح شعوره الغريزي بالخوف هو المسيطر على تصرفاته. 
سيتحول خوف الشخص لغضب وعدم إكتراث ومحاولة بناء مسافة آمنة للحماية من "أذى شريكه". في الوقت نفسه لن يتفهم الشريك لا الغضب ولا عدم الإكتراث ولا المبالغة في ردود الأفعال وسيسميها "جنان" مما سيؤدي لزيادة خوف الطرف المرعوب أصلًا!
وهكذا حلقة مفرغة من الخوف المؤدي لل"دبدبة" والدبدبة المؤدية للضجر والضجر المؤدي للمزيد من الخوف المؤدي لمزيد من الدبدبة .. إلخ.

ولإن الطرف "العاقل" عاقل فرد فعله "العاقل" على "الجنان" سيكون التخلص منه تمامًا!

التخلص من الجنان قد يساعد الشريك "العاقل" في الوصول لراحة البال. أما الشريك "المدبدب" فيُرحل خوفه ودبدته  لعلاقة أخرى، تبدأ من حيث إنتهت سابقتها. 

حب .. وخوف .. ودبدبة!

=====
* نظرية التعلق، جون بولبي
** Hazan & Shaver
*** لمشاهدة تجربة توضح الهلع البدائي (Primal Panic)
https://www.youtube.com/watch?v=apzXGEbZht0