أصل الحكاية أن الحاجة للإرتباط غريزة تولد مع الإنسان. يصرخ الطفل مع أول لحظاته خارج رحم أمه طالبًا الرعاية. تقربه الأم إليها فيهدأ، ثم توفر له إحتياجاته فتنشأ بينهما رابطة. يتعلق الطفل بأمه. يصرخ فترضعه. يصرخ فتهدهده. يصرخ فتلبي أو .. لا تلبي.
ما بين التلبية وعدم التلبية يتحدد نمط علاقة الطفل مع العالم*.
حين تلبي الأم النداء تنشأ رابطة آمنة مع الطفل. يثق الطفل في ردود أفعالها ويتوقعها. ويستخدم أمان هذه العلاقة كقاعدة لإستكشاف العالم من حوله. لكن حين تفشل الأم/ الراعي (عن عمد أو بسبب الظروف القسرية) في تلبية نداءه سواء بالتجاهل الكامل أو بتذبذب رد الفعل تتحول رابطة تعلق الطفل بها لرابطة غير آمنة.
نتيجة لذلك يصبح الطفل أكثر توجسًا، وقليل الثقة بالنفس، ويحكم الخوف من المجهول حياته. وتظهر مشاعر عدم الأمان تلك في تصرفاته، فهو غاضب دائما، يبكي ولا يستجيب لمحاولات الأم لتهدئته، ويحاول دائمًا أن يكون في موقف المُسيطر على مجريات الأمور لإنه لا يثق بمن حوله.
تشبه رابطة تعلق الطفل بأمه روابط التعلق في العلاقات العاطفية**. فكلاهما غريزي. وكلاهما يلعب دور قاعدة الأمان لإستكشاف العالم. وكلاهما يتسبب في ال "Primal Panic"*** أو الهلع البدائي المتمثل في التوتر والألم ومحاولات لفت الإنتباه بكافة الصور.
الطفل "يُدبدب" على الأرض محاولًا لفت نظر أمه. مرحلة مابعد "الدبدبة" هي اليأس. واليأس لا يؤدي إلى خفوت الألم. بل لترسيخه.
يمكن تتبع سلوك "الدبدبة" في علاقات البالغين. مثلًا، قد يؤدي إختفاء الحبيب لساعات بلا تفسير مقنع للطرف الأخر لسيل من الغضب والإلحاح والإستعطاف والصراخ والمبالغة في تقدير سبب الإختفاء.
في الأغلب "الدبدبة" قد تكون ميراث طفولة، أو ميراث علاقة سلبية سابقة. وفي بعض الأحيان "الدبدبة" إشارة على فشل العلاقة في توفير الحد الأدنى من توقعات الطرف "المدبدب".
لكن في كل الأحوال، للأسف، "الدبدبة" تقتل الحب.
الأصل في روابط التعلق هو التعلق الآمن. لا يحتاج الطفل للوصول لمرحلة "الدبدبة" للفت نظر أمه مادام متأكدًا إنها موجودة. كما لا يحتاج الحبيب للوصول لمرحلة "الدبدبة" لتحقيق التواصل المنشود. الوصول بالعلاقة للدبدبة دليل على إن هناك طرف محبط. طرف أصبح شعوره الغريزي بالخوف هو المسيطر على تصرفاته.
سيتحول خوف الشخص لغضب وعدم إكتراث ومحاولة بناء مسافة آمنة للحماية من "أذى شريكه". في الوقت نفسه لن يتفهم الشريك لا الغضب ولا عدم الإكتراث ولا المبالغة في ردود الأفعال وسيسميها "جنان" مما سيؤدي لزيادة خوف الطرف المرعوب أصلًا!
وهكذا حلقة مفرغة من الخوف المؤدي لل"دبدبة" والدبدبة المؤدية للضجر والضجر المؤدي للمزيد من الخوف المؤدي لمزيد من الدبدبة .. إلخ.
ولإن الطرف "العاقل" عاقل فرد فعله "العاقل" على "الجنان" سيكون التخلص منه تمامًا!
التخلص من الجنان قد يساعد الشريك "العاقل" في الوصول لراحة البال. أما الشريك "المدبدب" فيُرحل خوفه ودبدته لعلاقة أخرى، تبدأ من حيث إنتهت سابقتها.
حب .. وخوف .. ودبدبة!
=====
* نظرية التعلق، جون بولبي
** Hazan & Shaver
*** لمشاهدة تجربة توضح الهلع البدائي (Primal Panic)
https://www.youtube.com/watch?v=apzXGEbZht0
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
التعليقات: