أبي العزيز
لم أكتب لك من قبل سوى مرة واحدة. لم أخبرك أبدا عما كتبت. كتبت لك بعد وفاة أمي. كانت رسالة تجمع كل مخاوفي وحزني. تخلصت من الرسالة بعد فترة. بعد أن نضج حزني وواجهت مخاوفي.
لم أفكر في أن أكتب لك بعدها أبدا. لم أكن أبدا في حاجة للكتابة إليك. كيف أكتب لمن يقرأ أفكاري، ماذا أقول لمن يعلم ما أريد قبل حتى أن أريده.
ولكن الآن أكتب لك. لإن الإسبوع الماضي كان ثقيلا. وأثقل ما فيه أنك لم تكن موجودا للتأكد (كالعادة) بأنني مرتاحة ولا يعكر صفو حياتي شيء.
كنا سعداء.. هكذا أقول لكل من يسألني عما حدث.
هل كنا نعيش واحد من أسعد أسابيعنا؟ ربما، وربما عشنا أسابيع أسعد. ولكننا كنا سعداء.
ماذا حدث إذن؟ لماذا قرر القدر أن يحول سعادتنا لحزن؟ لماذا عبث القدر بجمعتنا واتفاقنا وقرر أن يفرقنا؟
أعلم يا أبي إنك كنت لتغضب لو عبرت عن مشاعري الحالية تجاه القدر جهرا. ولذلك لا أعبر عنها. أتجاهل غضبي وأسعى بكد للوصول للرضا بما جرت به المقادير كما علمتني.
كنا سعداء .. ثم دق جرس الهاتف. كان رقمك ولكنه لم يكن صوتك. كان صوت عابر سبيل يبحث عن "أهل" الرجل الذي سقط لتوه دون سابق إنذار.
كنت على بعد خطوات منك. كنا أنا وأختي في إنتظارك. إنتاباني القلق بسبب تأخرك ولكنني طردت الوساوس. فطالما تأخرت ولطالما وغضبت لقلقلي.
ذهبت لأجدك غائبا عن الوعي. ما لا تعرفه يا أبي إنني قرأت كثيرا وتدربت كثيرا على إنقاذك في حال تعرضت لطارئ صحي.
قرأت عن أعراض جلطات الدماغ والأزمات القلبية والتعامل مع الكسور. قرأت كثيرا حتى أتفادى الصدمة التي شلتني حين رأيتك غائبا عن الوعي.
كنت في دنيا غير الدنيا يا بابا ..
لم أستعد أبدا لنزيف الدماغ. لم أكن أتخيل أنه ممكنا. لم تمكنني معرفتي من حمايتك ولا إنقاذك.
سرقك القدر مني فيما لا يزيد عن عشر دقائق.
كنا سعداء .. كنا سعداء يا أبي.
هذا كل ما حدث. "كنا" سعداء.