"عايزة تطلعي إيه لما تكبري
يا شيماء؟"
تطاردنا هذه
النوعية من الأسئلة صغارًا. يداعبنا الكبار محاولين أحيانًا تحفيزنا على التفكير
في المستقبل وأحيانًا أُخر يجدون في السؤال طريقة لتوصيل معلومات عن المهن
المختلفة. ولكنه في أغلب الوقت سؤال لتمضية الوقت وطريقة غير ظريفة
"للإستظراف".
في كل مرة كانت
إجابتي تختلف، مررت بفترة "عايزة أبقى مدرسة"، ثم إنتقلت
ل"عايزة أبقى ضابط/ طيار .. إلخ". ومررت بفترة "عايزة أبقى
دكتورة" ولكنها لم تكن طويلة. ومنها إنتقلت "لعايزة أبقى سفيرة".
وفي جلسة عائلية ذُكر الكاتب محمد حسنين هيكل، وعقب أحد الجلوس بأن مقاله الأسبوعي
يوم الجمعة كان بمثابة وجبة ينتظرها الجميع ليعلموا ماذا حدث في العالم وما
يتنظرهم في الوطن. قررت بعد هذه الجلسة "إني لازم أبقى هيكل". ولكنني لم
أصبح أيًا من الإجابات التي عشت معها سنوات طويلة. درست المحاسبة، وأقنعتني صديقة
بإنني يجب ألا أنخرط في الدبلوماسية حتى لا أصبح جزءًا من "النظام".
ظل
"هيكل" حلم، لكن أنا فين وهو فين. ولم أتوقف عن حلم "لما أكبر
عايزة أبقى هيكل" إلا عندما وقعت في حب مسلسل "جرايز أناتومي"
وأصبح حلمي الجديد "عايزة لما أكبر أبقى شوندا!"
أول ما يخطر
بالبال ردًا على هذا الحلم: "بس إنت كبيرة يا شيماء". ولكن شيماء لا
يهمها كثيرًا إذا ما كانت "كبيرة" بالفعل ولا إنه من المستحيل أن نكون
غير أنفسنا. شيماء فقط تريد أن تستطيع يومًا ما أن تخلق شخصيات من العدم وتحركها
وتشذبها وتختبرها بالنعم تارة والإبتلاء تارة. شيماء تريد أن تخلق التجربة وتنظر
كيف يخرج منها شخوصها في كل مرة كما لو كانت تشهد ميلادهم مرة بعد مرة.
شيماء تريد أن
تفعل ما تفعله شوندا – رغم قسوته – شيماء تريد أن تنقل الحكمة الكامنة في الحدوتة
العبثية.
أشهر حواديت شوندا
العبثية هي حدوتة ميريدث جراي. تبدأها شوندا برجل، لا نعرفه ولا تعرفه ميريدث. رجل
عاري على أرضية منزل يبدو مهجورًا. نكتشف مع الوقت أن ميريدث "العابثة"،
سوداوية ومعقدة Dark &
twisty . قصة ميريدث هي قصة صراع تقليدي
وأزلي مع ظل الأب (أو في حالتها ظل الأم).
تخبرنا شوندا في
قصة ميريدث عن صراع المرأة في بدايات القرن الواحد وعشرين مع ميراثها من أمها بنت
حركة التحرر في السبعينات. نكتشف أن ميرديث معقدة وسوداوية بسبب هذا الميراث.
تطاردها وصية أمها "كوني غير إعتيادية يا ميرديث" Be
Extra-ordinary Meredith ، كما يطاردها شبح
الموت بالمرض الذي قتل أمها. تحاول ميريدث أن تنفذ وصية أمها، ف"بتطلع دكتورة
زي ماما" ولكن أمها لم تكن أية طبيبة، أمها هي أليس جراي. تحمل ميريدث إسمها
وبعض من ملامحها ونشاهد كيف تقاتل ظل الأم في المهنة. تحاول ميرديث أن تكون
"غير إعتيادية"، تنافس أقرانها للتفوق. وكانت حياة ميرديث لتكون أقل
سوداوية وتعقيدًا لو كانت المهنة هي المجال الوحيد الذي عليها أن تقتل شبح أمها
فيه. ولكن كان عليها أيضًا أن تقتل شبح أمها في حياتها الشخصية. فأمها مرت بتجارب
شخصية فاشلة، زيجة فاشلة وزوج هارب وإبنة تربيها وحيدة. تقع أم ميريدث في حب زميل،
ولكن زميلها متزوج. يختار زميلها زوجته وتقرر أم ميريدث محاولة الإنتحار كصرخة
أخيرة. تطارد ميريدث أشباح أبيها الهارب ودماء أمها على أرضية المطبخ. فتتعامل مع
الحب بعبثية، تقفز من رجل مجهول لرجل مجهول وتكتم خوفها بجرعات التاكيلا.
ولكن أحد
"المجاهيل" يصبح حبها الأوحد. ويصبح عليها أن تحارب به وفيه ظلال فشل أمها
العاطفي. تكون أسرة، تنجب الأطفال، تنعم بالإستقرار الذي لم تجربه أمها يومًا.
هل قتلت ميريدث
شبح الأم أم أصبحت نسخة منقحة من هذا الشبح؟
هل يمكننا الهروب
من مصير أباؤنا أم أن المصير ميراث ثابت، يتنكر ولا يتغير؟
لا يمكنني أن أجيب
أيًا من تلك الأسئلة يقينًا ولكن يمكنني أن أجيب بأنني يقينًا لن أصبح هيكل أبدًا
كما لن يمكنني أبدًا أن "أكبر وأبقى شوندا" ولكن ربما أنا – كما كثيرات
غيري – لست إلا ميرديث جراي!